من معاني الهجرة: هجر الذنوب والمعاصي

آخر تحديث 2020-09-16

من معاني الهجرة: هجر الذنوب والمعاصي

بقلم: الأستاذ الطاهر التجكاني

من المعتاد في شهر محرم الحرام -من كل عام- أن يتم تخصيص حيز كبير في الخطب والدروس والندوات للحديث عن ذكرى الهجرة النبوية الشريفة؛ باعتبارها أعظم حدث وقع في تاريخ الإسلام، فصلَ الله به بين عهدين عظيمين: عهد الذلة والضعف والاضطهاد للمسلمين في مكة المكرمة، وعهد العزة والكرامة والحرية لهم في المدينة المنورة ؛حيث منَّ الله على نبيه ورسوله بقيام دولة عادلة فاضلة فريدة على أرض المدينة، انتعشت فيها حركة الدين والدنيا، وتعايشت الملل والنحل، وتنفس فيها المظلوم، وذاق المهاجرون والأنصار طعم الأخوة والمساواة، ومارس الجميع حريته الدينية دون استثناء، مما جعل سيدنا عمربن الخطاب رضي الله عنه -بتشاور مع الصحابة الكرام- يتخذ من حدث الهجرة مبدأ لتاريخ الأمة الإسلامية- باعتباره يوم ولادة فعلية لهذه الأمة- حتى يظل المسلمون في كل عصر وجيل على اتصال بدروس الهجرة النبوية الشريفة، يستمدون منها هداية لأنفسهم، ويصححون على ضوئها خطاهم. وما أكثر هذه الدروس والعبر ! ومن أراد التوسع في ذلك فليرجع إلى دواوين السيرة النبوية.

والذي يعنينا اليوم في هذه الكلمة المتواضعة: نوع آخر من الهجرة، هو من الأهمية بمكان، ونغفل عنه كثيرا، ألا وهي الهجرة الروحية، التي تتكرر في كل زمان ومكان، وتتم على أرضية الإنسان داخل نفسه، دون أن يحتاج معها إلى تنقل من مكان إلى مكان، أو سفر من بلد إلى بلد؛ بل يهاجر إلى الله ورسوله بقلبه وعقله وروحه ووجدانه، وهو مقيم في بيته مع زوجته وأولاده، فيعقد العزم على أن يتوب إلى ربه توبة نصوحا، ويهجر كل الذنوب والمعاصي، ويسير في الطريق المستقيم، الذي رسمه الله لعباده في كتابه الحكيم، وفي سنة نبيه الكريم، إنها الهجرة الروحية الربانية التي أرشد إليها الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح حين قال: (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه. وفي رواية (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى (والمهاجر من هجر السوء) رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى والبزار.

ومن هنا نجد العلماء يقسمون الهجرة إلى قسمين: هجرة حسية، وهجرة معنوية، أو روحية. يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله: الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان، لما فيها من إرضاء الرحمن، وإرغام النفس والشيطان. فالهجرة الحسية ينتقل فيها الإنسان من وطن إلى وطن، ومن بلد إلى بلد، من بلد الذل والمهانة والاحتقار والظلم والطغيان إلى بلد العزة والكرامة والحرية والعدل والإنصاف. هذه الهجرة هي التي قال عنها القرآن الكريم: ٍ{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة } سورة النساء الآية ،100. وقال في حق المهاجرين الأتقياء: { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} سورة النحل الآية 41. أما الهجرة المعنوية السماوية أو الروحية الربانية فإن الإنسان ينتقل فيها من حال إلى حال، ينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ومن ظلمة السيئة إلى نور الحسنة، ومن قاع الغي إلى قمة التقى، ومن ظلمات الضلال إلى ضياء الهدى، ومن ساحة المنكر إلى باحة المعروف ومن خزي الشر إلى رفعة الخير، فهي هجرة إلى الله بالروح والقلب والعقل. هذه الهجرة هي التي قال عنها القرءان الكريم { ففروا إلى الله } سورة الذاريات الآية 50 ، أي:الجأوا إليه واحتموا بحماه، وتوبوا إليه توبة نصوحا. يقول حبر هذه الأمة وترجمان القرآن الكريم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: (ففروا إلى الله) أي: فروا إليه بالتوبة والاستغفار، فالفرار إلى الله مرتبة من مراتب الهداية والتوفيق، ذلك أن الفرار على نوعين: فرار السعداء وفرار الأشقياء، فالسعداء من المؤمنين الأخيار يفرون إلى الله، لأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، والأشقياء والعياذ بالله يفرون من الله ويلجأون إلى غير الله، وما أحوجنا اليوم إلى الهجرة الروحية التي قال عنها القرءان الكريم:( وذروا ظاهر الإثم وباطنه) أي: اتركوا الفواحش والمنكرات في السر والعلانية، واستقيموا على طاعة الله في جميع الأوقات، وفي كل الظروف والأحوال. وهذا ما قصده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله في الحديث السابق( والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب).

إن الهجرة الروحية ينتقل فيها الإنسان من الرذيلة إلى الفضيلة، ومن القبيح إلى الحسن، ومن حب الدنيا إلى حب الآخرة، ومن عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله الواحد القهار.

وهذا ما بدأ به أصحاب رسول الله صلى الله وآله وسلم، بدأوا بالهجرة الروحية قبل الهجرة الحسية. كانوا في الجاهلية قبل الإسلام يعبدون الأصنام ويقدسون الأوثان ويقطعون الطرقات، ويهينون المرأة، ويسفكون الدماء فيقتلون الأبرياء بغير حق، ويرتكبون الفواحش والمنكرات جهارا نهارا بدون خوف ولا خجل ولا حياء؛ فلما جاءهم الإسلام وبعث الله فيهم نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام تحولوا على الفور من شر أمة تعيش على وجه الأرض إلى خير أمة عرفها التاريخ، أو (خير أمة أخرجت للناس )، بلغة القرآن. كانوا في الجاهلية يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويؤمنون بالجبت والطاغوت، يعني: يصدقون بالسحر والشعوذة، فأصبحوا بعد إسلامهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وحده لا شريك له. وتكفينا هنا شهادة أمير المؤمنين سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله حين قال قولته المشهورة: (إنا كنا أذل قوم في الجاهلية فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).

ثم لا ننسى بعد هذا وذاك أن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة إلا بعد أن ضاقت به أرض مكة، من كثرة ما كان فيها من منكر عظيم وفساد عريض، وبغي وطغيان، ولقي عليه الصلاة والسلام أذى كثيرا من طرف مشركي قريش بداية بعمه الظالم المعتدي أبي لهب لعنه الله، الذي كان يسير خلفه في طرق مكة ويرميه بالحجارة وينادي بأعلى صوته: (أيها الناس لا تصدقوه ولا تلتفتوا إليه إنه ابن أخي، إنه كذاب، يريد أن يصرفكم عن عبادة آلهتكم).

وهكذا منع رسول الله من حرية التعبير، ومن حرية الرأي، ومن تبليغ دعوة ربه إلى الناس. وفقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وطنه الأم مكة المكرمة كل مقومات الحياة، فقد الأمن والاستقرار، فقد العدل والإنصاف، فقد الحرية في القول والعمل، فأخذ عليه الصلاة والسلام يبحث عن أرض آمنة يأمن فيها على نفسه وعلى دينه وعلى حياة المؤمنين من أتباعه، ولا سيما إذا عرفنا أن الأمن النفسي وحده يمثل ثلث الدنيا بأسرها ففي الحديث الصحيح المشهور (من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) يعني: جمعت له الدنيا بأكملها. رواه الترمذي وابن ماجه في سننهما والبخاري في الأدب المفرد وسنده حسن.

فالذين يخرجون الآن على سبيل المثال من سوريا -بلاد الشام بلاد الأنبياء والمرسلين- إلى البلاد الأوروبية والغربية ، هاربين من جحيم الظلم والطغيان.. والبغي والعدوان.. والحروب والويلات.. إنما يبحثون عن الأمن: الأمن النفسي، والأمن الغذائي، الذي امتن الله به على قريش قديما حين قال تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). وهكذا كان مقصد المسلمين في هجرتهم الاولى للحبشة، لما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تحملوا ما لا طاقة لهم به قال لهم :( اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد). فكان الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام.

وقد بين القرآن الكريم أسباب هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام فقال تعالى في حق نبينا عليه الصلاة والسلام { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } الآية 40 من سورة التوبة. وواضح أنه ما كان صلى الله عليه وآله وسلم يبغي بوطنه مكة بديلا، ولكن قومه هم الذين أخرجوه بصريح الآية،وقال تعالى في حق أصحابه الكرام: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } الآية 40 . يزيد هذا المعنى جلاء قوله عليه الصلاة والسلام في الهجرة لما وقف في مكان يسمى الحزورة ونظر إلى مكة وبكى : (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ماخرجت) رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه في سننهما وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وسنده صحيح.

فنسأل الله تعالى أن يصلي ويسلم على صاحب الهجرة الشريفة، ويترضى عن صحابته الذين هاجروا وصبروا، والذين آووا ونصروا، وأن يمن علينا بالأمن والأمان والسلم والسلام، وأن يجعل يومنا خيرا من أمسنا وغدنا خيرا من يومنا، وأن يختم لنا بالخاتمة الحسنى. آمين .

التعليقات

لنتواصل