حكم دفن أموات المسلمين في المقابر العمومية بالبلاد الأوروبية

آخر تحديث 2020-04-03

حكم دفن أموات المسلمين في المقابر العمومية بالبلاد الأوروبية

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم دفن أموات المسلمين في المقابر العمومية بالبلاد الأوروبية

لفضيلة الشيخ الطاهر التجكاني

رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد، فلقد كثر السؤال في هذه الأيام عن حكم دفن أموات المسلمين في المقابر العمومية بالبلاد الأوروبية، وخاصة في الأماكن المخصصة لدفن أموات المسلمين، ولقد سبق للمجلس أن أصدر بيانا مفصلا حول هذا الموضوع، وها نحن - من جديد - نؤكد للمسلمين أنه يجوز شرعا دفن أموات المسلمين في بلدان إقامتهم بأوروبا، نظرا للظروف التي يمر بها العالم في هذه الأيام العصيبة (أيام وباء كورونا)، والتي يتعذر معها نقل جثث أموات المسلمين إلى بلدانهم الأصلية !

وأضيف وأؤكد هنا، أنه لا يجوز الاحتفاظ بجثث الأموات في الثلاجات إلى أجل غير معلوم؛ فدفن الميت -كيفما كان الحال- يعد تكريما له وسترا، وتركه في الثلاجة لمدة مجهولة يعتبر انتهاكا لحرمته، وتعذيبا لأهله، والسنة قاضية بالمسارعة في تجهيز الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ...) متفق عليه(1).

مع العلم أن الأرض كلها لله، فأينما دفن الإنسان فهي أرض الله، فالله تعالى يقول: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[(2)].

وفي موطأ الإمام مالك رحمه الله أن أبا الدرداء رضي الله عنه كتب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه أنْ هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة ــ وكان أبو الدرداء يقيم في الشام وسلمان الفارسي يقيم في العراقــ فكتب إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه (إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسانَ عملُه)(3)، فالذي يزكي الإنسان فوق الأرض وتحت الأرض هو عمله الصالح، ولا شيء آخر.

على أنه ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده(4) والنسائي(5) وابن ماجه(6) في سننهما وابن حبان في صحيحه(7)، والبيهقي في شعب الإيمان(8)، والطبراني في المعجم الكبير(9) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال توفي رجل بالمدينة ممن ولد بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال ياليته مات في غير مولده فقال رجل من الناس: ولِمَ ذاك يارسول الله؟، فقال: (إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة).

ورواه الآجرِّي (ت 360هـ) في "الغرباء"(10) بلفظ آخر عن عبد الله بن عمرو قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة فقال: (يا له لو مات غريباقيل: وما للغريب منا يموت بغير أرضه؟ فقال: (ما من غريب يموت بغير أرضه إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة)اهـ.

أضف إلى هذا أن الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم ماتوا ودفنوا في غير موطن ولادتهم؛ فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه قضى آخر أيامه بمدينة حمص، حتى مات بها، ودُفن بها، وقبره معروف هناك، وبلال الحبشي المؤذن رضي الله عنه مات في (طاعون عمواس) بدمشق الشام، ودفن هناك؛ بل بعضم دُفن في بلدان غير إسلامية، فعلى سبيل المثال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: قبره معروف ومشهور بمدينة القسطنطينية (إستانبول التركية)، ولم تكن مدينة إستانبول آنذاك بلدا إسلاميا كما هو معلوم، و الذين هاجروا إلى الحبشة بعضهم مات هناك، ودفن هناك.

وأنا أعرف جيدا أنَّ قانون المقابر في البلدان الأوروبية يختلف عن قانون المقابر في البلدان الإسلامية؛ لكن للضرورة أحكام، فقاعدة (الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ)(11) قاعدةُ كليةٌ ذهبيةٌ، اعتمدها الفقهاءُ جميعا من كل المذاهب، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ القَاعِدَةِ مِنَ الصُّوَرِ والنوازل والحالات مَا لَا حَصْرَ لَهُ. ونحن في هذه الأيام (أيام الوباء) مضطرون مجبرون، لا مختارون مترفهون، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ]فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[(12)].

ثم إن المرء ليتساءل بصدق: أين يدفن المسلمون من أصول أوروبية؟ أليس في مسقط رأسهم، وموطن إقامتهم؟ أو ليسوا جزءا منا؟ فهل يليق بنا أن نفكر في أنفسنا ولا نفكر فيهم !؟

وفي الختام، أحب أن أطمئن الجميع أن هذا الجواب العاجل يُقصد به حل مشكلة معينة، في زمن معين، وظروف معينة، وأنه بمجرد ما يزول المانع، وتنكشف هذه الغمة، وتنتهي محنة كورونا -قريبا إن شاء الله- سيعود الأمر إلى طبيعته، وإلى ما كان عليه سابقا،

والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب!.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليم كثيرا.

وكتبه رئيس المجلس

الطاهر التجكاني

----------------------

(1) صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، 1/405، كتاب الجنائز، باب السرعة
بالجنائز، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي، نشر المطبعة السلفية، القاهرة،
الطبعة الأولى، 1400هـ. وصحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج القشيري 1/419، كتاب الجنائز،
باب الإسراع بالجنازة، تحقيق أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي، طبعة طيبة للنشر والتوزيع،
الطبعة الأولى، 2006م.
(2) البقرة: 115.
(3) موطأ مالك، 2/769، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت،
الطبعة الأولى، 1985م.
(4) مسند أحمد 11/236، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، تحقيق شعيب الأرنؤوط
وعادل مرشد، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 2001م.
(5) سنن النسائي، ص295، كتاب الجنائز، باب الموت بغير مولده، تحقيق ناصر الدين الألباني،
نشر مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطيعة الأولى، 1988م.
(6) سنن ابن ماجة 3/125، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن مات غريبا، تحقيق بشار عواد
معروف، نشر دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.
(7) صحيح ابن حبان، 7/196، كتاب الجنائز، باب ذكر إعطاء الله المتوفى في غربته مثل ما
بين مولده إلى منقطع أثره من الجنة، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة
الأولى، 1988م.
(8) شعب الإيمان للبيهقي، 7/172، فصل في ذكر ما في الأوجاع و الأمراض و المصيبات من
الكفارات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2000م.
(9) المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني، 14/73 من مسند عبد الله بن عمر بن العاص، تحقيق
سعد الحميد، وخالد الجريسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1983م.
(10) الغرباء لأبي بكر الآجري ص70، تحقيق بدر البدر، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي،
الكويت، الطبعة الأولى، 1403هـ.
(11) المنثور في القواعد لبدر الدين الزركشي 2/68، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل،
نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2000م.
(12) البقرة: 173.

التعليقات

لنتواصل