أحــكـام زكاة الفطر لفضيلة الشيخ الطاهر التجكاني

آخر تحديث 2020-05-11

أحــكـام زكاة الفطر لفضيلة الشيخ الطاهر التجكاني

بسم الله الرحمن الرحيم

أحـــــــــــــــــــــــــــــــــكام زكاة الفطر
لفضيلة الشيخ الطاهر التجكاني

وبعد، فهذه جملة من أحكام زكاة الفطر، يكثر السؤال عنها في هذه الأيام، ولعله من المفيد أن أبدا بتعريف زكاة الفطر أول، فأقول وبالله التوفيق، وبه أستعين:

تعريفها:

زكاة الفطر كما هو معلوم هي فريضة شرعية مرتبطة بفريضة صيام شهر مضان من كل عام، ولذلك تسمى زكاة الفطر، لوجوبها بالفطر من رمضان، فهي مسك الختام بالنسبة لصيام شهر رمضان، وقيل تسمى بهذا الاسم نسبة إلى الفِطرة، وهي الخلقة، لأنها متعلقة بالأبدان، وتسمى أيضاً صدقة الفطر، وزكاة الأبدان.

الحكمة منها:

شرعت تطهيرا للصائم من الخلل في صومه، ورفقا بالمساكين بإغنائهم عن السؤال في يوم العيد، لحديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: فرض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين..) رواه أبو داود بسند حسن.

حكمها:

واتفق جمهور أهل العلم على وجوبها، لكنهم اختلفوا هل هي واجبة بالقرآن أو بالسنة، فقيل إنها واجبة بالقرآن داخلة في عموم الزكاة التي قرنها الله في كتابه الحكيم بالصلاة فقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وقد روي عن أبي سعيد الخدري وعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وقتادة وعطاء وأبي العالية، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب في تأويل قَوْله تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، أنها زكاة الفطر.

وقيل: إنها سنة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما رواه البخاري ومسلم من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال (فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل عبد أو حر، صغير أوكبير) وهذا اللفظ لمسلم، وفرضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة.

وقت وجوبها:

واختلف في وقت وجوبها على قولين: القول الأول تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. القول الثاني تجب بطلوع فجر يوم العيد.

وبناء عليه فمن ولد له ولد، قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، وجب على الأب إخراج زكاة الفطر عن ولده. أما إن ولد المولود بعد الغروب، وقبل طلوع فجر يوم العيد، لم تجب بناء على القول الأول، وتجب بناء على القول الثاني ومن مات بعدغروب شمس آخر يوم من رمضان يجب إخراج زكاة الفطر عنه على القول الأول دون الثاني.

وقت إخراجها:

أما وقت إخراجها، فالوقت المفضل والمستحب قولا واحدا من طلوع فجر يوم العيد إلى صلاة العيد، وأجاز المالكية والحنابلة إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهم كانوا (يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، يعني يعطون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أويومين. ومنع ابن حزم إخراجها قبل وقتها فقال: "لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلا" على طريقته الظاهرية وقال الشافعية يجوز إخراجها ابتداء من أول يوم من رمضان، ووسع الدائرة الحنفية فقالوا يجوز إخراجها قبل دخول رمضان.

والأمر في هذا يرجع إلى مراعاة مصلحة الفقراء، فزكاة الفطر حق من حقوقهم، وقد قال الله تعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وإذا كانوا في أمس الحاجة إليها في هذه الأيام العصيبة أيام الوباء والابتلاء، وأنهم يعشيون في حالة اضطرار فالمصلحة تقتضي تعجيل زكاة الفطر لهؤلاء ابتداء من أول يوم من رمضان، بناء على قول الشافعية.

مقدارها:

وأما مقدار زكاة الفطر ومن يستحقها، فالمستحق لها بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما المذكور سابقا قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين)، والمسكين أشد احتياجا من الفقير، فالفقير هو الذي يملك دخلا شهريا لا يكفيه، والمسكين في بعض الأحيان لا يملك طعام يومه، كما قال تعالى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، أي من شدة فقره، كأنه التصق بالتراب، ولهذا فإن مصرف زكاة الفطر غير مصارف زكاة المال الثمانية المذكورة في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فزكاة الفطر لا تعطى إلا للفقراء والمساكين. وأما مقدار زكاة الفطر فالوسط العدل بين قيمة الدقيق وقيمة التمر وغيره من المواد التي تخرج منها زكاة الفطر خمسة أورو، ومن زاد على ذلك تطوعا، فالباب مفتوح. وقد قال الله تعالى في فدية رمضان: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، فالواجب في الفدية، هو إطعام مسكين واحد عن كل يوم، ويقدر أيضا بخمسة أورو، ومن أراد أن يطعم أكثر من مسكين في اليوم تطوعا، فالزيادة في الخير خير.

وكذلك في زكاة الفطر من أراد أن يزيد على خمسة أورو من باب التطوع فجزاه الله خيرا، وبيان ذلك أن زكاة الفطر يراعى فيها الغني والفقير والقوي والضعيف والموسر والمعسـر، فهي تجب على كل من يملك فضلا زائدا عن طعامه وطعام من تلزمه نفقتهم في يوم العيد، ثم من فضل الله على الفقير أن تكون يده عليا، ولو مرة واحدة في العام، في يوم العيد، فهو يعطي زكاته للفقراء، ويأخذ من الأغنياء أكثر مما أعطى.

إخراج القيمة في الزكاة:

ومن المسائل التي يدور حولها الجدل والجدال في كل عام، مسالة إخراج زكاة الفطر بالمال بدل الطعام، وقد جرى فيها الخلاف بين الفقهاء قديما وحديثا كما هو معلوم فالفقهاء في عصر سلفنا الصالح، كانوا ينظرون إلى مصلحة الفقراء وما يعود عليهم بالنفع في معاشهم، ويوفر لهم الراحة النفسية في حياتهم، وربما كان الطعام آنذاك غير متوفر في الأسواق، فاقتضت الحكمة أن تخرج زكاة الفطر بالطعام رحمة بالفقراء من جهة، وتيسيرا لمن يخرجها من جهة أخرى؛ حيث يخرجها بما يتسر في بيته من طعام، ولو بالأقِط وهو اللبن المجفف المعروف ب"الجبن"، أما في عصرنا الحاضر فلا ينبغي للفقهاء أن يختلفوا في جواز إخراجها بالمال، لأن المال الآن هو الذي يحقق مصلحة الفقير، ويلبي رغباته، ويقضي حاجاته، ويدخل الفرح والسرور على قلبه، وليس الخبر كالمعاينة كما ورد في الحديث وقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ....

والمال في عصرنا الحاضر هو الأحب إلى القلوب، ثم الفقير قد يكون عنده في بيته من الطعام ما يكفيه لأيام، ولكنه يعاني من مرض شديد، يحتاج معه إلى شراء الدواء، وقد تكون حاجته إلى الدواء أشد من حاجته إلى الطعام والشراب، وبعضهم توسع فقال: قد يكون الفقير محتاجا إلى شراء الملابس الجديدة، وهدايا العيد لأطفاله الصغار، حتى يفرحوا مع أولاد الجيران فرحة العيد. والعجيب هو أنه ما زال الناس إلى يومنا هذا في بعض البلدان العربية والإسلامية، يصرون على إخراج زكاة الفطر بالأرز، فيلجأ الفقراء والمساكين إلى بيعه للتجار بأبخس الأثمان، حتى يستفيدوا من ثمنه في يوم العيد وهذا أمر مشاهد ويتكرر سنويا، فتصبح زكاة الفطر حينئذ تصب في مصلحة التجار، وليس في مصلحة الفقراء، وتكون إغناء للتجار على حساب الفقراء.

تنبيه

ومن الأمور التي يجب أن تراعى في الفتوى، أن لا تفصل الجزئيات عن الكليات، والكليات عن المقاصد، فليس إخراج زكاة الفطر بالطعام أمرا تعبديا لايعلل، ولا يجوز فيه الاجتهاد وإعمال النظر، ومهما يكن من أمر، فلا ينبغي للفقهاء في عصرنا الحاضر أن يختلفوا في جواز إخراج زكاة الفطر بالمال. وللأسف الشديد أنه يوجد الآن في قلب العواصم الأوروبية بعض الشباب المتحمس ممن يتأثر بفتاوى علماء الحجاز، فيصر على إخراج زكاة الفطر بالأرز، بينما الأرز لم يكن في يوم من الأيام من طعام الأوروبيين، إنه التقليد الأعمى، والجمود الفكري، والجفاف العقلي، والتشويه لسمعة الإسلام، بأنه لا يساير العصر ولايصلح لكل زمان ومكان فلا حول ولا قوة إلا بالله والله ولي التوفيق

وكتب الطاهر التجكاني

-------------------------

  1. سنن أبي داود 2/179، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر عن ابن عباس.
  2. البقرة: 43.
  3. خمستهم ذكرهم الإمام القرطبي في تفسيره 22/231.
  4. مصنف عبد الرزاق 3/321.
  5. تفسير عبد الرزاق الصنعاني 2/367.
  6. الأعلى: 14.
  7. صحيح البخاري 1/466، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، وصحيح مسلم 1/437، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير.
  8. صحيح البخاري 1/468، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك.
  9. المحلى بالآثار لأبي محمد بن حزم 6/143.
  10. رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي، ص 84.
  11. الذاريات: 19.
  12. سبق تخريجه.
  13. البلد: 16.
  14. التوبة: 60.
  15. البقرة: 184.
  16. آل عمران: 90.



المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • تفسير القرآن لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق مصطفى مسلم محمد، طبعة مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1989م.
  • الجامع لأحكام القرأن لأبي عبد الله القرطبي، تحقيق عبد المحسن التركي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م.
  • رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1987م.
  • صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وقصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، الطبعة الأولى، 1400هـ
  • صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2006م.
  • مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1972م.
  • المحلى بالآثار لأبي محمد بن حزم، تحقيق أحمد محمد شاكر، نشر إدارة الطباعة المنيرية، الطبعة الأولى، 1347هـ.

التعليقات

لنتواصل