مالك بن أنس إمام دار الهجرة

 
Share |


اسمه ونسبه

هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن جثيل ـ بجيم وثاء مثلثة وياء ساكنة- وقيل خثيل، بخاء معجمة - بن عمرو بن الحارث، بن ذي أصبح، واسمه الحارث الأصبحي المدني، وكنيته مالك (تهذيب الكمال:27/93).

وذو أصبح أحد الأذواء، والأذواء يمنيون، وهو لقب من ألقاب ملوكهم قديما، وقد أوصل ابن خلكان نسب ذي أصبح إلى يعرب بن قحطان، وقال عن أسرته اليمنية إنها قبيلة كبيرة باليمن، وإليها تنسب السياط الأصبحية وينسب مالك إلى ذي أصبح فيقال له: الأصبحي.

والأصبحيون كانوا من عظماء اليمن، فنسبه من جهة أبيه يصل إلى ملوك حمير في الجاهلية، أما أمه، فهي: العالية بنت شريك بن عبد الرحمن القحطانية الأزدية. وقد كانت لهذه الأم شأن ـ و أي شأن- في نشأة ابنها وحسن توجيهه.


مــولــده
قال الذهبي: "مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأ في صون ورفاهية وتجمل"، (سير أعلام النبلاء: 8/49).

وقد ذكر بعض الرواة أنه ولد قبل ذلك، وقال بعضهم: ولد بعد ذلك، ومن هؤلاء ابن خلكان الذي يقول: ولد سنة خمس وتسعين وحمل به ثلاث سنوات. (وفيات الأعيان: 2/200)


صـفـتـه
عن مطرف بن عبد الله، قال: "كان مالك بن أنس طويلا، عظيم الهامة، أصلع، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشقرة." (صفة الصفوة: 2/177).

وعن عيسى بن عمر المدني قال: ما رأيت بياضا قط، ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب من مالك" (سير أعلام النبلاء: 8/62، وتاريخ الإسلام: 1/319)

وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: "ما رأيت أهيب من مالك بن أنس، ولا أتم عقلا ولا أشد تقوى". (تاريخ الإسلام: 11/323).


ابتداء طلبه العلم وثناء العلماء عليه

قال الذهبي: وطلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، وإلى أن مات". (سير أعلام النبلاء: 8/5).

وعن عبد الله بن المبارك قال: ما رأيت رجلا ارتفع مثل مالك بن أنس ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. (حلية الأولياء: 6/330).

وابن عيينة : "مالك عالم أهل الحجاز وهو حجة زمانه". (سير أعلام النبلاء: 8/57).

و قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. (الحلية: 6/318).

قال الذهبي: كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه زيد بن ثابت، وعائشة، ثم ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم عبيد الله بن عمر، ثم مالك". (السير: 8/57).

وقال كذلك: لم يكن بالمدينة عالم بعد التابعين يشبه مالكا في العلم والفقه والجلالة والحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة، والقاسم وسالم، وعكرمة، ونافع، وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم، وابن شهاب، وأبي الزناد، ويحيى بن سيد، صفوان بن سليم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم، فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وفليح بن سليمان والدراوردي، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب غليه آباط الإبل من الآفـــاق".( سير أعلام النبلاء :8/58).

قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد. وقال: "ما رأيت أحدا أعقل من مالك". (السير:8/76).

قال الواقدي: كان مالك يجلس في منزله على ضجاع ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر في سائر البيت لمن يأتي وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان مهيبا نبيلا، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه، وكان له كاتب يقال له: حبيب قد نسخ كتبه ويقرأ للجماعة، فإذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليل". (السير :8/79).


عزة نفسه وتوقيره لحديث النبي "عليه السلام"

عن ابن أبي أويس، قال: "كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في الجلوس بوقار، وهيبة، ثم حدث . فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا.

وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو مستعجل، فقال: أحب أن يفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". (حلية الأولياء :6/388).

وعن معن بن عيسى قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره، قال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، (تهذيب الكمال: 11/111).

عن ابن القاسم، قال: "قيل لمالك لم لم تأخذ عن عمرو بن دينار؟ قال: أتيته فوجدته يأخذون عنه قياما، فأجللت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذه قائما". (سير أعلام النبلاء 8/67).


نصره للسـنة وشدته على أهل البدع

عن مطرف بن عبد الله، قال: "سمعت مالكا يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها إتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المومنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". (حلية الأولياء 6/324، وسيرأعلام النبلاء :8/98).

 

وفي المصدر السابق نفسه، عن يحيى بن خلف، قال: كنت عند مالك فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق، اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلاما سمعته، قال: إنما سمعته منك وعظم هذا القول".

 

وقال القاضي عياض: قال أبو طالب المكي: كان مالك ـ رحمه الله- أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقذا للعراقيين، ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل مالكا فقال: الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالا أخرجوه. فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله لقدة سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له". (سير أعلام النبلاء: 8/107).


وعن أبي ثور، قال: سمعت الشافعي يقول: كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
وكان يقول لست أرى لأحد يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيء سهما". (حلية الأولياء 6/324).

من تـلاميذ الإمام مالك بن أنس

إن من علامات التفوق عند التلميذ، وأمارات الانصاف عند المعلم أن يستفيذ الأخير ما لا يعلمه من تلميذه، ولقد حدث ذلك مع مالك حيث يقول:


"قل رجل كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئني ويستفتيني" طبقات الفقهاء للشيرازري:68
فقد روى عنه عدد من شيوخه من التابعين: كمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأيوب السختياني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري.


ومن شيوخه من غير التابعين: نافع ابن أبي نعيم القارئ .كما روى عنه من أقرانه من الأئمة المشاهير: سفيان بن سعيد الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
ومن طبقة أخرى بعد هؤلاء: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وعبد الله بن وهب المصري، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري، وأشهب بن عبد العزيز المصري وعلي بن زياد الطرابلسي القيرواني، وآخـرون.
ولقد اهتم هؤلاء وغيرهم بمرويات الإمام مالك وما تعلموه منه، فجمـعوا رواياته ومختاراته، ولخصوها وحرروها، وشرحوها وخرجوا عليها، وتكلموا في أصولها ودلائلها، ونشروها في الآفاق.



مؤلفات الإمام مالك بن أنس

قال القاضي عياض: "اعلموا وفقكم الله أن لمالك رحمه الله، أوضاعا شريفة مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم لكنه لم يشتهر عنه منها، ولا واظب على إسماعه ورواياته، غير الموطأ، مع حذفه منه وتلخيصه له شيئا بعد شيء. وسائر توا ليفه إنما رواها عنه من كتب بها إليه، أو سأله إياها، أو آحاد من أصحابه، ولم تروها الكافه.


فمن أشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر، والرد على القدرية، وهو من خيار الكتب في هذا الباب، الدال على سعة علمه بهذا الشأن رحمه الله."


و منها كتابه في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جدا، قد اعتمد عليه الناس في هذا الباب، وجعلوه أصلا، وعليه اعتمد أبو محمد عبد الله بم مسرور القروي في تأليفه، وقد أدخل جميعه صاحبا كتاب الاستيعاب لأقوال مالك: أبو عبد الله المعيطي، وأبو عمر بن المكوي، وفي جامع كتابهما الكبير." ترتيب المدارك:1/90-91


قال سحنون: وهو مما انفرد بروايته عن مالك: عبد الله بن نافع السائغ، قال سحنون: سمعته من ابن نافع.

ومن ذلك رسالة مالك في الأقضية، كتب بها لبعض القضاة، عشرة أجزاء، رواها عنه عبد الله بن عبد الجليل. ومن ذلك رسالته إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى، وهي مشهورة، يرويها عنه خالد بن نزار ومحمد بن مطرف، وقد نقل إسحاق بن سعيد أقوال مالك في هذه الرسالة، منها في كتابه. ومن ذلك رسالته إلى هارون الرشيد المشهورة في الآداب والمواعظ، وقد علق عليها القاضي عياض قائلا: أنكرها بعض مشايخنا: إسماعيل القاضي، والأبهري، وأبو محمد بن أبي زيد، وقالوا: إنها لاتصح، وإن طريقها لمالك ضعيف، وفيها أحاديث لا نعرفها، قال الأبهري: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه، وأحاديث منكرة تخالف أصوله .......


وقد أنكرها أصبغ بن الفرج أيضا، وحلف ما هي من وضع مالك " المدارك: 1/92

قال الشيخ أبو زهرة رحمه الله: "وإننا إذ نحكم بأن هذه الرسالة لا يمكن أن يكون كلها، ولا جلها منسوبا لمالك رضي الله عنه، فإنه يغلب على الظن أن بعضها تصح نسبته إليه، بل نرجح نسبته إليه، لأنا وجدنا في إحدى روايته لهذه الرسالة ما يليق أن يكون موعظة للخلفاء.


ومن ذلك كتابه في التفسير لغريب القرآن الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي.
ومن ذلك رسالته إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة." المدارك:1/94 وهي رسالة مطبوعة متداولة
أما الموطأ فسيأتي الحديث عنه – بحول الله - في نافذة المؤلفات عند الحديث عن المؤلفات الحديثية المالكية.