دور الإمام في مجتمع متعدد الثقافات

 
Share |

 

دور الإمام في مجتمع متعدد الثقافات

 

    بقلم فضيلة الشيخ البقالي الخمار

 

   بداية نرجو الله عز وجل أن يوفقنا للتعاون والتنسيق فيما يهم المسلمين في ديار المهاجر، وإن كان التعاون بين الناس مطلوبا فأولى الناس بذلك هم الأئمة والدعاة والموجهون والمرشدون، وإن كان التعاون مطلوبا في كل وقت فهو في هذا الوقت الدقيق أهم وأوجب، ووجه دقة الظرف لا تخفى على أحد ولا تحتاج لشرح.

إننا معشر الأئمة والدعاة والمرشدين والمرشدات بحاجة إلى التعاون من أجل تفعيل دور الإمام والداعية والمرشد، وجعله بعون الله تعالى دورا يلائم الزمان والمكان خطابا وحركة وتنظيما، ومهما كانت خبرة الإمام والداعية، ومهما كانت سعة علمه، فإنه بحاجة إلى العمل الجماعي، بحاجة إلى الاجتهاد الجماعي والرأي الجماعي، سواء في مجال الفقه أو في مجال التوجيه أو في مجال ربط العلاقة بالآخر، لأن العمل الجماعي إن لم يخل من الخطأ فالخطأ فيه أقل، وما أصبنا بما أصبنا به من تفرق وتناحر إلا بسبب الشذوذ في الرأي والاعتداد به، وهذا الذي حدث ويحدث الخلل الحقيقي ليس فقط في المحيط الذي يوجد فيه صاحب الرأي الشاذ بل يسري الخلل وينتشر في بلدان متعددة بحكم تلاقي الناس مع بعضهم البعض وسهولة التواصل. وأنا لا أقصد بهذا التضييق والحجر على الآراء والاجتهادات وجعلها رأيا واحدا في كل شيء وفي كل مسألة اجتهادية، فهذا أمر غير ممكن، ولكن أقصد أن يكون بين الأئمة والدعاة والموجهين والمرشدين نوع من التلاقي والتشاور وخصوصا في المسائل والأمور التي تحتاج إلى ذلك، وهي أمور لا تخفى عمن مارس هذه الوظيفة وخالط الناس.

أيها الإخوة والأخوات لا شك أن الأئمة والدعاة والمرشدين يقومون انطلاقا من وظيفتهم بعدد من الأدوار في ميادين شتى، وإذا ما نظرنا إلى طبيعة ووظيفة الإمام وجدناها ثلاثة أصناف:

  • الصنف الأول الدور الديني الصرف: مثل الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد والإجابة على أسئلة المستفتين.
  • الصنف الثاني الدور الثقافي: حيث يعتبر الإمام الحارس الأمين للهوية الثقافية للجماعة.
  • الصنف الثالث الدور الاجتماعي: ويتمثل فيما يقوم به الإمام والمرشد تجاه الأفراد والأسر في الحياة الاجتماعية على الخصوص، على مستوى الأحياء والمدارس والمستشفيات وما شابه ذلك.

والقيام بهذه الأدوار والمهمات يتطلب من الإمام تكوينا صلبا ودرجة كبيرة من الثقافة الاجتماعية لا سيما في سياق اجتماعي يختلف في الجملة عما عليه الأمر في البلدان الأصلية. ولا شك أن الوضع الذي يوجد فيه المسلمون في الغرب يطرح على الإمام تحديات كبيرة وعلى رأسها نقل مبادئ الدين الإسلامي السمحة إلى الأجيال الصاعدة. كيف ينقل ذلك؟ وكيف يعلمهم سبل التعايش السلمي السمح مع محيطهم بما فيه بما له وما عليه؟ ولهذا يتعين على صاحب هذه الوظيفة أن ينطلق من هذا الوضع وأن يتكيف مع عقلية الشباب، يتكيف مع الجيل الصاعد الذي يمكنه التقرب إليهم ويستمع إليهم ويحاورهم ويقنعهم بالأساليب الحوارية المتطورة.

ولا شك أن المسلمين في الغرب يواجهون تجربة تختلف كثيرا عن تجربة الوالدين في البلدان الإسلامية، ومن ذلك أن الأولاد هنا تربوا على النقد، على التساؤل عن كل شيء، فالولد يسأل عما تقبل وما لا تقبل، يسأل عن الجائز والممنوع، فيتعين على الموجه أن يستعمل الأساليب التربوية المعاصرة ليقنع هؤلاء الشباب ويجيب على تلك التساؤلات.

وهناك أمر آخر من الأهمية بمكان كبير وهو أن الإمام يعيش في وسط مليء بالأفكار والمعتقدات والقناعات، فالإمام الذي كان يعيش ويشتغل في وسط إسلامي صرف أصبح الآن يعيش في محيط يعج بالمعتقدات والتصورات والرؤى المختلفة التي يتعين عليه أن يتعامل معها بشكل أو بآخر، وعلى المسلمين أن لا يعيشوا منعزلين عن المجتمع منطوين على أنفسهم، بل عليهم أن ينسجموا مع محيطهم ويتفاعلوا معه مؤثرين ومتأثرين، مؤثرين بأفضل مما عندهم وكل ما عندهم من القيم الفاضلة، ومتأثرين بما هو إيجابي طبعا، وهو كثير في هذه الديار. والأئمة هم أصحاب الدور الأكبر في توجيه المسلمين للتعامل بإيجابية مع المؤسسات الديمقراطية واحترام الحقوق المدنية، هذه الحقوق أو هذه القيم التي ناضل أهل البلد من أجل تثبيتها وإرسائها، والتي يرجع إليها الفضل في تحسين الأوضاع المعيشية والحقوقية للأفراد والجماعات، حيث قضي في هذه الديار تقريبا على الفقر والجهل والظلم والاستبداد. والحال أن أولادنا ذكورا وإناثا شبوا في هذا الوسط، فالمطلوب منا نحن الأئمة والمرشدين أن نربيهم على احترام روح المواطنة الحقة، وأن ننمي فيهم القدرة على التعايش في المجتمع المتعدد الثقافات. و سواء كنت إماما أو رئيس مؤسسة أم إنسانا عاملا في هذا الوسط إذا دخلت أي مجتمع فأول شيء تعمله هو تنمية العلاقات الإنسانية وتمثلها، لا أقول مثلما يقول الناس بالكلام العامي: "لي دخل شي مدينة يمشي على دينها"، هذا كلام فاسد،، بل العلاقات الإنسانية المقبولة المشتركة تثبتها وتنميها قبل أن تشرح لهم دينك وعقيدتك، فكن إنسانا مثاليا ودع الناس يحكمون عليك، كن إنسانا مثاليا ودع الناس يسألون في يوم من الأيام عنك وعن دينك، أما أن تبدأ بالشرح وتأخر العمل فإنهم سيمجونك ويرفضونك ويطرحونك، لكن كن أولا إنسانا مثاليا في سلوكك وعملك، واترك ودع الناس يسألون عنك وعن دينك في يوم من الأيام، قد يكون عاما، قد يكون عقدا من الزمن، قد يكون عقودا، لابد أنهم سيسألون عن دينك وعقيدتك. لماذا؟ لأنه كما يقول الدعاة المخلصون: القدوة تسبق الدعوة. فيجب ألا تقول كلمة إلا بعد تطبيقها، طبق ما تقول، أخلص فيما تقول، ولا عليك استجاب الناس لك أو أعرضوا عنك. وعلى سبيل المثال أيها الإخوة، وكلكم مرت بكم هذه التجارب، كم مرة يأتي إنسان ليسلم ويريد أن يتزوج امرأة مسلمة، فبعد أن يسلم ويعرف الإسلام يقول لها أسلمي أنت ثم نتزوج. وأحيانا تسلم المرأة لتتزوج بالرجل المسلم، وبعدما تعرف الإسلام تقول له أسلم أنت ثم نتزوج. هذا واقع وهذه تجارب مرت بنا ومرت بكم وبالكثير من الموجودين في هذه الديار، يعني نحن ندعو إلى دين لا نطبق منه إلا القليل، أو نحرص فقط على أمور ورثناها بالسماع، نقولها باللسان ولا نطبقها في العمل. ومرة أخرى أقول: طبق ما تقول وأخلص فيما تقول ولا عليك استجاب الناس لك أو أعرضوا عنك. وإذا أردت البيان فلا بد أن يسبقه الإحسان. فافتح قلوب الناس بإحسانك ليفتحوا عقولهم لبيانك. والرسول عليه الصلاة والسلام أعطى صفوان بن أمية وأعطى في غزوة حنين أناسا لم يسلموا بعدُ، حتى إن الأنصار وجدوا في أنفسهم على هذا العمل، فنبههم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أعطاهم هذا العطاء تأليفا، وأن الأنصار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودون به إلى ديارهم والناس يعودون بالشاة والبعير، وحينئذ قال بعضهم لقومه: "أيها الناس أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". فافتح قلوب الناس بإحسانك ليفتحوا عقولهم لبيانك، وأنت إذا أحسنت ملكت القلوب، وإذا تكلمت ملكت الإعجاب، إذا أحسنت إلى الناس ملكت قلوبهم، وإذا ارتجلت أو تكلمت وأبنت وأجدت فأنت تملك الإعجاب فقط، والإعجاب ليس كفتح وملك القلوب.

أيها الإخوة والأخوات أتكلم في هذا الموضوع على التعايش الاجتماعي في المجتمع المتعدد الثقافات. التعايش لا بد له من ضوابط وهي كثيرة، ومنها احترام الاختلاف والتنوع بين البشر، والتفاهم حول الأهداف والغايات الكبرى، وتوسيع مساحة المشترك الإنساني، أي القيم المشتركة، مثل العدل، الحرية، التعارف، التعاون، البر، القسط ... إلخ كما سيأتي، ومن ثمرات هذا التعايش أنه يثمر ثمارا كثيرة منها:

  • الحوار لا الدمار: إذا كان هناك تعايش يكون هناك حوار ولا يكون هناك دمار.
  • المحبة لا البغضاء.
  • إشاعة مشاعر الأخوة الإنسانية.
  • قبول الآخر والتعامل معه كما هو: فلا يمكن أن تغير الإنسان بالقوة، ولهذا تعامل معه كما هو، وإذا أردت إنسانا نقيا سليما من كل عيب فكن أنت كذلك نقيا صافيا سليما من كل عيب. وإذا لم تستطع أن تكون أنت كذلك فلا تطلب من الآخر ما لا تقدر عليه.

إذا المطلوب هو العمل على بث روح التعايش والتساكن، هذا التعايش وهذا التساكن يقتضي منا بناء الجسور مع الناس بدلا من بناء السدود والجدران السميكة.

كثير من شبابنا يحاولون أن يبنوا بيننا وبين الآخر حيطانا وجدرانا سميكة، والمطلوب أن نبني الجسور التي تربطنا مع الناس وتسهل علينا التعامل معهم، نحن المسلمين يجب علينا أن نحافظ على قيمنا الخاصة بنا، وأن نطور ما يقبل التطوير منها، وفي نفس الوقت نتعامل مع القيم والعادات الأخرى التي سيستمر أهلها عليها، وهي ستستمر على المسار الخاص بأهلها، فمهما حاولت لن تستطيع أن تغير مسار قيم الناس إلى طريق وإلى سبيل لا يريده أهلها، وأنت أيها المسلم لا تستطيع فرض نفسك على العالم، وكأنه لا يوجد في العالم أحد سواك. بل عليك أن تعترف أن الناس الآخرين هم أناس مثلك وإن اختلفت عقائدهم واعتقاداتهم عنك، فيجب عليك أن تحترمهم ويجب عليهم أن يحترموك.

ليس المطلوب هو الحب، فالحب أمر قلبي، ولكن المطلوب هو الاحترام. هذا هو طبع المجتمع السليم، وهو الاحترام المتبادل بين جميع مكونات المجتمع. ومن الأمور التي يمكن الاتفاق على التعاون فيها مع كل الناس على أنها قيم مشتركة بغض النظر عن ألوانهم وأجناسهم ومعتقداتهم:

  • التواضع في السلوك وعدم تعالي أي إنسان على غيره، فالتواضع قيمة من قيم ديننا. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في ذلك لا أحتاج إلى التذكير بها. فالتواضع في السلوك وعدم تعالي أي إنسان عن الآخر قيمة مشتركة بين الناس.
  • التحفظ في الكلام بحيث لا ينطق الإنسان ولا يتكلم بما يسيء لغيره فردا كان أو جماعة.
  • حرية التعبير، لكن حرية التعبير المضبوطة بالتحفظ في الكلام بحيث لا يسيء الإنسان إلى غيره فردا كان أو جماعة.
  • العدل في الأعمال الموكول للإنسان القيام بها بحيث ينصح ولا يغش أحدا، وقد قال عليه الصلاة والسلام "من غش فليس منا"، فمن غش تشمل المسلمين وغير المسلمين.
  • الرحمة بجميع خلق الله "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، و"من" هي من صيغ العموم.
  • محبة الخير الذي يحبه الإنسان لنفسه لجميع الناس: "لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
  • التجاوز عن الهفوات والأخطاء: وإذا بحث الإنسان عن رفيق بدون أخطاء فهو يبحث عن المستحيل.

ومن لم يغمض عينيه عن صديقه          وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب

                        ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدها           ولم يـسـلـم لــه الدهــر صـاحــــــب

                        إذا كنـت في كـل الأمـور معـاتـبا            صـدـيـقك لــن تلقــى الذي لا تعاتبه

                        فـعــش وحـيدا أو صــل أخـــــاك            فــإنـه مــقارف ذنـب مرة ومجانبه

 

  • العمل على إشاعة الأمن والاطمئنان ومحاربة العنف: نحن نقول بأن الإسلام ليس دين عنف لا من قريب ولا من بعيد، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل العنف في شيء إلا شانه.
  • احترام المعرفة وتشجيع العلم والتعلم.
  • احترام المعرفة وتقدير العلماء أيا كانت انتماءاتهم.
  • احترام الروابط الأسرية وعلى رأسها طبعا احترام الوالدين وإشاعة أهمية الأسرة، وهذا ما ينبغي أن نعلمه للناس ليكون بالفعل أمرا ملموسا بيننا أننا نحترم الوالدين ونحترم الكبار ونعطف على الصغار...... إلخ.
  • العناية بالبيئة والاجتهاد في نظافتها: الشارع الذي تسكن فيه، الحي الذي تسكن فيه، الحديقة التي تزورها، لابد أن تعتني بكل هذا، وهذا كان عند أسلافنا رحمهم الله، لدرجة لا يمكن أن يتخيلها الإنسان، ولعلكم سمعتم بالقصة اللطيفة وهي أن مالك بن دينار رحمه الله كان يسكن بجواره شخص يهودي، وأراد اليهودي أن يبيع داره وقيمتها ألف دينار، فطلب ألفين، فقيل له: دارك لا تساوي أكثر من ألف. قال: ألف للدار وألف لجوار مالك بن دينار. بمعنى أن مجاورة هذا الصالح تستحق زيادة في قيمة السكن.
  • رعاية الطفولة.
  • رعاية المسنين.
  • رعاية المعاقين.
  • التشجيع على العمل ومحاربة البطالة والكسل: فالتشجيع على العمل ومحاربة البطالة والكسل قيمة  من قيم ديننا الحنيف.
  • حسن العلاقة بالكون والإنسان:
  • عدم الغدر والخيانة والوفاء بالعهود: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" وذلك للمسلمين وغير المسلمين.
  • الأمانة بمفهومها العام: "أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك".

هذه بعض القيم التي علمنا الإسلام أن نتعامل بها مع جميع عباد الله مهما كانت انتماءاتهم، وليس المقصود أيها الإخوة والأخوات من هذا أن المسلم يتنازل عن دينه إذا كان متسامحا مع غيره، فالتنازل غير مقبول وخصوصا في المبادئ والثوابت التي لا تقبل الاجتهاد ولا تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص، بل المقصود هو إذا عاملني الآخر سواء كان مسلما أو غير مسلم وسواء كان طائعا أو فاسقا أو كان ما كان، إذا عاملني الآخر بمعاملة غير لائقة فأنا أعامله بإسلامي السمح الذي يحب الخير لكل الناس. فأنت مسلم عندك قيم ذهبية، أنفق مما عندك، إذا عاملك الناس بالشر عاملهم بالخير، وهم على شرهم وأنت على خيرك حتى يغلب خيرك شرهم إن شاء الله سبحانه وتعالى. والقرآن الكريم يقول "ادفع بالتي هي أحسن" ويقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" ويقول: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".

أيها الإخوة والأخوات يجب أن نعلم الناس جميعا أن الله تعالى أنزل الدين لسعادة الناس لا لشقائهم، لأمنهم لا لخوفهم، لتقدمهم لا لتأخرهم، للتعمير لا للتخريب، للإصلاح لا للإفساد، للتقريب لا للتفريق، للفضائل لا للرذائل، للحب لا للكراهية والحقد. كما يجب أن نعلم وأن نطالب بأن المواطن في البلد الواحد أو المواطنين في البلد الواحد ينبغي أن يكونوا متساوين في الحقوق والواجبات، أما العقائد فلا إكراه في الدين لأن الإكراه لا يأتي بمؤمنين صادقين وإنما يأتي بمنافقين كاذبين.

أيها الإخوة والأخوات إن الإسلام يعلم الإنسان المسلم ما يجب عليه نحو خالقه: أن يعبده بإخلاص، وما يجب عليه نحو الوطن الذي يعيش فيه: أن يعمل على تعميره لا على تخريبه، فالوطن الذي تعيش فيه إذا عمرته يعود نفعه عليك وعلى غيرك، وإذا خربته سيعود ضرر تخريبك عليك وعلى غيرك، بل عليك قبل غيرك. كما علم الإسلام المسلم ما يجب عليه نحو عباد الله أجمعين أن يحب لغيره ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لغيره ما يكره لنفسه من الشر.

أيها الإخوة والأخوات، إنه من الخطأ الكبير والظلم القبيح الذي يقع فيه بعض الناس هنا من أصحاب البلد الذي نعيش فيه أن يرتكب إنسان أو مجموعة من الناس مخالفة من المخالفات، فينسب ذلك إلى الدين أو إلى الوطن الأصلي، وهذا ظلم وليس بعدل، والعدل والحق هو أن ينسب كل تصرف إلى من ارتكبه وحده فردا كان أو جماعة، ولا ينسب إلى دين من الأديان ولا إلى وطن من الأوطان ولا لأي إنسان آخر أيا كان. فكل إنسان مسؤول وحده عن عمله أمام الله وأمام القانون، مسؤول عن أي كلمة ينطق بها وعن كل عمل يقوم به، قال تعالى "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" وقال عز وجل "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" هذا هو العدل هذا هو الحق وليس كما تفعله بعض الدول من إلصاق التهمة بجميع المسلمين إذا تصرف بعض من ينتسب إلى الإسلام تصرفا خاطئا. فهذا من الأخطاء الشائعة التي نسأل الله أن يلطف بنا ويحفظنا من شرها.

وبمناسبة هذا اللقاء أقول: لا بد لنا نحن الأئمة والمرشدين أن ننشر بين الناس هذا الوعي، وهو كيف نربط علاقاتنا بجميع عباد الله، مدركين ومتصورين أن الاختلاف بين البشر في ألوانهم وفي أجناسهم وفي معتقداتهم ليس سببا للعداوة والبغضاء وزرع الفتنة والاعتداء، بل هذا الاختلاف يوجب على بني البشر التعارف، والتعارف يدعو إلى التآلف، هذا هو المطلوب مهما تعددت الاتجاهات الفكرية والعقائدية وكثرت. وهي اتجاهات متعددة، حتى داخل الصف الإسلامي هناك اتجاهات واجتهادات وأفكار ........إلخ، فيجب أن نقول دائما نحن وغيرنا ولا نقول نحن. وليس معنى هذا أن نتفق جميعا ونكون شخصية واحدة، لا بأس أن تختلف العقول إذا اتحدت القلوب، والمهم مما سبق وأختم به، هو العمل على أن نعيش في الزمن الذي نعيش فيه والبلد الذي نعيش فيه متسامحين متعاونين فيما بيننا ثم مع غيرنا على ما فيه صلاح المجتمع بكل مكوناته مع الاحترام المتبادل للخصوصيات الثقافية والدينية المختلفة دون أن يهاجم أي طرف ثقافة الآخر أو ينبش تاريخه لأن هذه المهاجمة أو هذا النبش مهما ادعى أصحابه من حياد في البحث العلمي والفكري فإنه يثير الضغائن والأحقاد وينشر الكراهية بين الناس ويدفع هذا الشخص أو ذاك لارتكاب تصرفات غير لائقة يحسبها من الدين وينسبها إليه ليبرر تصرفه. وبإمكاننا أن نتجنب كل تصرف سلبي وبسهولة إذا اتصفنا بصفة الاحترام لرأي الآخر سواء وافقناه أو خالفناه، ونتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وبصفتنا بشرا لا يمكن أن نكون متفقين دائما وأبدا في كل شيء وعلى كل شيء، والقرآن الكريم يقول "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ". فالاختلاف طبيعة البشر والاتفاق على كل شيء مستحيل الوقوع في بني البشر، فلنتعاون على تحقيق القيم المشتركة قدر الاستطاعة وفي الباقي لكم دينكم ولي دين.