تاريخ علم أصول الفقه وموقع المصادر الأصلية منه

 
Share |

إعداد الدكتور ميمون باريش

أستاذ التعليم العالي/جامعة القاضي عياض/مراكش/المملكة المغربية

 توطئة:

إن الاهتمام بالشكل إلى جانب المعنى، شكل منذ القدم خصيصة من خصوصيات المنهج الإسلامي في البحث العلمي، ومن مظاهر هذا الاهتمام، نذكر مظهر الدقة ووضوح الرؤية في التبليغ العلمي، ذلك أن علماء السلف كانوا لا يقتحمون ميدانا من ميادين العلوم إلا وهم على معرفة تامة بالمقصود بهذا العلم أو ذاك، ولقد بلغ حرصهم الشديد في هذا المجال إلى درجة افتتاح مؤلفاتهم العلمية بمقدمات تمهيدية يستعرضون فيها معنى العلم الذي يشكل مادة بحوثهم ودراساتهم، وربما تحدثوا عن تاريخه وأصوله وفروعه… وكان إصرارهم كبيرا على تحديد المعاني وتسهيلها حتى يمكنوا المتلقي منذ البداية من معرفة ما يخوضون فيه من علوم، ولقد أصروا على هذه المنهجية تنظيرا وجسدوها عمليا، فهذا إمام الحرمين عبد الملك الجويني(ت478هـ) يقول في مقدمة كتابه البرهان في أصول الفقه: "حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن وبحقيقته وفنه وحده"[1]، ليس هذا فحسب، بل إنهم أكدوا وبإصرار شديد، على ضرورة توضيح كل المصطلحات الرئيسة التي ينبني عليها صرح موضوع ما، طلبا للتوضيح، ودفعا للخلط والالتباس، لذا وجدنا النظار ابن حزم الأندلسي(ت456هـ) يخصص بابا من أبواب كتابه الإحكام في أصول الأحكام لهذا الغرض سماه "الباب الخامس في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر"، مفتتحا إياه بقوله: "هذا باب خلط فيه كثير ممن تكلم في معانيه وشبك بين المعاني، وأوقع الأسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس، وعظمت المضرة، وخفيت الحقائق؛ ونحن إن شاء الله تعالى مميزون معنى كل لفظة على حقيقتها"[2].

فعلا، إنها منهجية علمية دقيقة تسد الباب أمام كل من سولت له نفسه الخوض في علم من العلوم إن بناء أو هدما ولاسيما إذا كان يجهل ذلك العلم… وكم نحن في أمس الحاجة - اليوم وأكثر من أي وقت مضى - إلى هذه المنهجية التي من شأنها أن تيسر سبل الاستفادة من التراث الإسلامي الواسع والتعامل مع الفكر الإنساني الحديث… وإذ نرى فيما أوردنا عن سلفنا روح الدقة وعنصرا أساسا من عناصر المنهجية العلمية، فقد اخترنا أن نقتدي بهم فنمهد لمادة أصول الفقه بمدخل مفصل للتعريج على علم الأصول: تعريفا ونشأة وتطورا...

 



[1]- البرهان في أصول الفقه1/83.

 

[2]- الإحكام في أصول الأحكام1/38.

إقرأ نص المحاضرة