الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي في أوروبا والتأثير في التشريعات الغربية للأستاذ الدكتور حميد لحمر. الجزء (3)

 
Share |


 من خصائص المذهب المالكي :كثرة الأصول و الواقعية و الانفتاح على المذاهب السنية الأخرى

 يقول الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ في كتابه:" مراعاة الخلاف في المذهب المالكي و علاقتها ببعض أصول المذهب و قواعده":يحتل المذهب المالكي المرتبة العليا و المقام الأسمى بين المذاهب الفقهية المتبعة ,فهو أصحها أصولا و أكثرها فروعا و أشملها قواعد و أوسعها مقاصد و أكثرها مرونة وواقعية ,وأقربها لحياة الناس و أكثرها ملائمة لفطرهم و طبائعهم و هذا شيء شهد به المنصفون

يقول ابن تيمية وهو الإمام الحنبلي  :"و من تدبر أصول الإسلام و قواعد الشريعة وجد أصول مالك و أهل المدينة أصح الأصول و القواعد".(انظر صحة أصول مالك ص53)

و يقول الذهبي :" و بكل حال فإلى فقه مالك المنتهى ,فعامة آرائه مسددة ......." سير أعلام النبلاء:8/62

 

ويقول ابن عبد البر :" فمن اقتصر على علم إمام واحد و حفظ ما كان عنده من سنن ووقف على غرضه و مقصده في الفتوى حصل على نصيب من العلم و حظ منه حسن صالح ......و الاختيار له أن يجعل إمامه في ذلك إمام أهل المدينة دار الهجرة و معدن السنة "جامع بيان العلم و فضله 2/208

 

ويقول محمد أبو زهرة :"إنا لنقر غير مجازفين أنه –المذهب المالكي –مذهب الحياة و الإحياء قد اختبره العلماء في عصور مختلفة ,فاتسع لمشاكلهم , و اختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج , و إنا نسند ذلك إلى مجتهديه و كثرة أصوله و نوع الأصول التي أكثر منها و سيطرت على التخريج فيه." مالك لأبي زهرة 451.

 

و يقول في موضع آخر :"و إن نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره و مسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره يجعلانه أكثر مرونة و أقرب حيوية و أدنى إلى مصالح الناس و ما يحسون و ما يشعرون , وبعبارة جامعة أقرب إلى الفطرة الإنسانية التي يشترك فيها الناس و لا يختلفون إلا قليلا بحكم الأقاليم و المنزع و العادات الموروثة." المرجع السابق

 

و يقول الدكتور عمر الجيدي -رحمه الله-:" ذلك أن المذهب المالكي-كما هو معروف عنه- مذهب عملي يعتد بالواقع , ويأخذ بأعراف الناس و عاداتهم , وفقهه عملي أكثر منه نظري يتمشى مع طبيعة الفطرة" محاضرات ف تاريخ المذهب المالكي :ص 30  

    

و قد ذهب أغلب الباحثين في تاريخ و أصول المذهب المالكي قدامى و محدثين أن المذهب المالكي هو مذهب غني بأصوله المتعددة, وواقعي ,حيث أنه يعتد بأعراف الناس و عاداتهم ,  يحكم أصلي : ا"لمصالح المرسلة و سد الذرائع .و يراعي دليل المخالف إيمانا منه بتعدد الرؤى و الاختلاف مما يضفي على منهجه الفقهي سمة تجديدية مرنة لا ترهق الناس بكثرة  النظريات و التأويلات التي تأباها الطبائع و النفوس.

 

  و لعل أهل الأندلس من أميل الناس إلى الوضوح و أبعدهم عن التعقيد و الالتواء لذلك كانت تدينهم بالمنهج المالكي نابعا من اقتناعهم بسماحة هذا المذهب و يسره.

و قد تميز المذهب المالكي بأصول اجتهادية تساعد على متابعة النوازل المستجدات الطارئة  عند غياب النقول (القرآن و السنة ..)  و هو الذي سيتناوله أخونا الدكتور عبد الرحمن الحقان في عرضه.

كما أن من خصائص هذا المذهب و صاحبه مناهضته لأهل البدع من المعتزلة و الخوارج و غيرهم و من على شاكلتهم و تصديه للأحناف الموغلين في الأقيسة العقلية  و التأويلات , و قد كان مالك رحمه الله أشد بغضا لأهل البدع و كان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر :

و خير أمور الدنيا ما كان سنة ""  و شر الأمور المحدثات البدائع


و في تقديري أن اختيار الأندلسيين لمذهب الإمام مالك كان اختيارا لمذهب أهل السنة و الجماعة و فقه السلف من الصحابة و التابعين

و هذا يدركه القارئ اللبيب لمنشور الحكم بن عبد الرحمن الذي جزم بعد تنقيبه عن أخبار الفقهاء و اطلاعه على فقه المذاهب بأن المذهب المالكي .أسلم المذاهب الفقهية من شوائب البدع و الضلالات , و أن الاستمساك به إتباع لمحجة بيضاء (لا يزيغ عنها إلا هالك و من رين على قلبه وزين له سوء عمله).

 و من خصوصياته على الصعيد الفقهي ما يذكره العلامة الفقيه محمد التاويل –عافاه الله- رحابة صدره و انفتاحه على غيره من المذاهب الفقهية و الشرائع السماوية السابقة و اعترافه بالجميع و استعداده للتعايش معه و الاستفادة منه بفضل قاعدة: "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ" التي اتخذها مالك أصلا من أصوله التي بنى عليها فقهه .

1-و هكذا أخذ المالكية بالجعالة و الكفالة من شريعة يوسف كما حكاه الله عنه في قوله :"و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم " كما استدلوا على مشروعية قسمة مهيأة بقول صالح :"هذه ناقة لها شرب و لكم شرب يوم معلوم " و على جواز الإجارة و النكاح على منافع بقول صاحب مدين :"إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج"


 
2-في إباحته الاقتداء بالمخالف في الفروع ولو ترك شرطا من شروط الصلاة أو ركنا من أركانها في الفقه المالكي إذا كان الإمام لا يراه شرطا و لا ركنا في مذهبه ,الصلاة وراء من نام و لم يتوضأ أو لا يقرا الفاتحة أو يفتتح الصلاة بغير تكبيرة الإحرام على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه .

3-في رفضه تكفير المسلمين بالذنب و الهوى فقد سئل مالك عن المعتزلة أكفار هم ؟ قال من الكفر فروا .

4 و يذكر الفقيه محمد التاويل أن مما قرره الفقه المالكي في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أن المختلف فيه لا يجب فيه الأمر بالمعروف و لا النهي عن المنكر , و هي قاعدة من أهم القواعد التي تحقق التعايش بين المذاهب و الطوائف المختلفة  و تحفظها من الصراع المذهبي و الطائفي .

5-فيما قرره الفقه المالكي أيضا أنه إذا لم يوجد نص للمالكية في النازلة المعروضة ,فإنه يعمل فيها بالفقه الشافعي أو الحنفي على خلاف بينهم ( كما وقع لابن شاس في جواهره)

6-في رفض مالك فرض مذهبه و موطئه على جميع الأمة حين عرض عليه الخليفة العباسي ذلك و اعتذر مالك عن ذلك .

7-في استحسانه العمل برأي المخالف ابتداء في بعض مواطن الخلاف من باب الورع و الخروج من الخلاف , قراءة البسملة سرا , و قراءة الفاتحة خلف الإمام للخروج من خلاف الشافعي .

8- و إباحته الخروج عن المذهب و العمل بقول المخالف عند الحاجة و في بعض القضايا التي يصعب فيها الأخذ بالفقه المالكي روي عن مالك أنه دخل المسجد بعد صلاة العصر و جلس و لم يصل تحية المسجد فقال له صبي : قم يا شيخ فاركع ركعتين , فقام فصلاهما فقيل له في ذلك ؟ فقال : خشيت أن يصدق علي قوله تعالى :" و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون "

و إن مراعاة الخلاف و إباحة الاقتداء بالمخالف و شرع من قبلنا  –كما ذكرنا- هي مظهر من مظاهر المرونة و الموضوعية اللتين اتسم بهما المذهب المالكي مما جعله أقرب إلى حياة الناس وواقعهم من أي مذهب آخر , و مما جعل الكثير من القوانين الوضعية تلجأ إليه لاستقاء موادها منه إيمانا منها بصلاحيته ,و إن لم تؤمن بربانيته .

كما يمكن اعتبار مراعاة الخلاف عند المالكية ذات ارتباط جزئي بالاستحسان

(و إن الذي يحق له الأخذ بمسلك مراعاة الخلاف في المذهب إنما هو المجتهد الذي لديه أهلية الاستنباط ,سواء كان مطلقا أو مقيدا )

هكذا إذن يتبين مدى انفتاح الفقه المالكي و المالكية على غيرهم و مصالحته و تعايشه في سلام و تفاهم ووئام و إمكان الأخذ عنه و الاقتباس منه , و هذا هو الذي تفاعل في رحم المجتمع المغربي و الأندلسي ليجعل منه مجتمعا منفتحا متسامحا متسعا لمخالفة المخالفين لكن دون فقد خصوصياته و لا تضييع هويته , مما يمكن اعتباره حسن من حسنات هذا المذهب و فضلا من أفضاله على البلدان المغاربية و الغربية