الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي في أوروبا والتأثير في التشريعات الغربية / الجزء (2)

 
Share |


 الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي في أوروبا والتأثير في التشريعات الغربية

للأستاذ الدكتور حميد لحمر. الجزء (2)


المبحث الثاني: الإمام مالك و بعض خصائص مذهبه

 


قبل الحديث عن المذهب المالكي بالأندلس أرى أنه لا بد في البداية  من التعريف بصاحب المذهب :الإمام مالك بن أنس في الفقرة الأولى و بعض خصائص مذهبه في الفقرة الثانية, و مدارس مذهبه التي انتشرت في مجموعة من أنحاء دول العالم في فقرة ثالثة.


الفقرة الأولى:-شخصية الإمام مالك بن أنس:

 

 

 

يعد الإمام مالك رحمه الله من الجهابذة الأعلام الذين اعتنى العلماء قديما و حديثا بحياتهم , فلا يخلو كتاب من كتب التراجم إلا و للإمام فيه ذكر , بل إن مجموعة من العلماء ألفوا فيه كتبا خاصة به , تحدثوا فيها عن مولده و نسبه و نشأته , و أخذه للعلم , و أصوله في الاستنباط , و مؤلفاته ورؤاه السياسية ، حتى إنهم تحدثوا عن حمل أمه به , و مصادر رزقه , وملبسه , و خلقه , إلى غير ذلك .

فهو أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي و اختلف المؤرخون في سنة ولادته , و لعل أشهر الأقوال في الموضوع ما اختاره القاضي عياض و الذهبي و ابن عبد البر القرطبي و غيرهم , و هو أن ولادته كانت سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وقت فتح الأندلس .و قد تربى في بيئة علمية عريقة فقد كان جده من كبار علماء التابعين الذين أخذوا عن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و عائشة رضي الله عنهم و أبوه أنس من رواة الحديث و إن لم يكن من المكثرين أما أمه فقد كانت على قدر كبير من العلم .هذا عن بيئة الخاصة و أما عن بيئته العامة فهي المدينة المنورة ,و قد كانت تعج بالعلماء الذين اتخذوها مسكنا أو مروا بها زيارة و طلبا للعلم .

و في هذا الجو بدأ مالك رحمه الله نشاطه العلمي و هو ما يزال صغيرا .

 

من منهجه في طلب العلم :

 

أنه التزم  منهجا في دراسته , و أول شيء كان يحرص عليه مالك في طلب العلم هو الطهارة

كان يحرص على أن يكون طاهرا و  قد ظلت الطهارة دأبه طول حياته منذ أن كان طالبا حتى أصبح شيخا يجلس الطلاب بين يديه يتلقون العلم.فعن الجوهري قال : حدثنا ابن أبي أويس قال : كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ و جلس على فراشه , و سرح لحيته و  تمكن في الجلوس بوقار و هيبة ثم حدث ، فقيل له في ذلك؟ فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا أحدث به إلا على طهارة متمكنا .

و كان يكره أن، يحدث في الطريق و هو قائم ، أو يستعجل ، فقال : أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و كذلك كان شأنه حين كان يطلب الحديث ، فقد ترك الكتابة عن شيخ ثقة لأنه حين كان يسمع لم يجد مكانا يجلس فيه ,فظل واقفا ، فكره أن يكتب حديث رسول الله صلى اله عليه و سلم و هو واقف .

فالإمام مالك التزم منذ صباه الاحترام التام لأحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان لا يتلقاها إلا جالسا متمكنا على خير حال من الاستقرار و الهدوء توقيرا لها و حرصا على ضبطها ’ فما كان يتلقاها واقفا , ولا في حال ضيق أو اضطراب حتى لا يفوته شيء منها .

 

فقد سئل رضي الله عنه : هل سمعت من عمرو بن دينار ؟

فقال : رأيته يحدث و الناس قيام يكتبون فكرهت أن أكتب حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا قائم

و مر بحلقة أبي الزناد و هو يحدث فلم يجلس إليه ,فلقيه بعد ذلك فقال له : ما منعك أن تجلس إلي ؟

قال : كان الموضع ضيقا ,فلم أرد أن أتلقى حديث رسول اله صلى الله عليه و سلم .

و أثر عنه أنه كان يقول : إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار و سكينة و خشية و أن يكون متبعا لأثر من مضى قبله.

و قال سفيان الثوري :كان مالك ينتقي الرجال ، و لا يحدث عن كل أحد.

و كان مالك يقول : لا يؤخذ العلم إلا عن من يعرف ما يقول .

و قال مالك ": لقد أدركت في هذا المسجد سبعين شيخا فما كتبت عنهم حديثا, و في عبارة أخرى قال : أدركت سبعين تابعيا في هذا المسجد ما أخذت العلم إلا عن الثقات المأمونين .

 

تلقيه فتاوى الصحابة و التابعين و جلوسه للتدريس والتبشير به :    

 

تلقى الإمام مالك فتاوى الصحابة و أحاط بها , تلقى ذلك عمن أدركهم من التابعين و تابعيهم حيث عرف فتاوى عمر و ابن عمر و عائشة –رضي الله عنهم- و غيرهم من الصحابة و عرف فتاوى سعيد بن المسيب  و غيره من كبار التابعين الذين لم يدركهم ’ حتى أصبح فقه الصحابة و كبار التابعين من المصادر الفقهية لكثير من تفريعات الفقه المالكي .

هذا هو فقه الأثر ’ أما فقه الرأي فتلقاه على يد ربيعة الرأي .

و لم يجلس الإمام مالك للفتوى و الدرس حتى شهد له سبعون شيخا أنه مؤهل لذلك قال رحمه الله و ما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا أني موضع لذلك.

فهو رحمه الله لم يتهجم على مجلس التدريس تهجما و لم يتحمله تطاولا أو تطفلا , بل كان ذلك عن جدارة و استحقاق ’ فقد شهد له سبعون كما ذكرنا .

و بشر به النبي صلى الله عليه و سلم في حديث رواه الترمذي و حسنه و رواه الإمام مالك في الموطأ أيضا و النسائي و الحاكم , و صححه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال : رسول الله صلى الله عليه و سلم :" يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة "

قال الترمذي  في جامعه :"قال سفيان بن عيينة كانوا يرون في هذا أنه مالك بن أنس ، و ذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير في المدينة .

و تأول الحديث أيضا على مالك : عبد الملك بن جريج , وعبد الرحمن بن مهدي , و وكيع بن الجراح, و الأوزاعي ,و قال عبد الرزاق : كنا نرى أنه مالك و لا يعرف هذا الاسم , عالم المدينة لغيره , و لا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثلما ضربت إليه.

و قال القاضي عبد الوهاب البغدادي : لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب ,إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة , فيقول :هو إمامي .

و نحن نقول : إنه صاحبنا بشهادة السلف له , و بأنه إذا أطلق بين العلماء عالم المدينة و إمام دار الهجرة فالمراد به مالك دون غيره من علمائنا و أسهب الشيخ محمود عبد المتجلي الحديث حول هذا الحديث ,فقال : قال القاضي عياض بن موسى المالكي : احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه :

الأول : تأويل السلف أن المراد به مالك , و ما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق.

الثاني : شهادة السلف الصالح له , و إجماعهم على تقديمه يظهر أنه المراد ’ إذ تحصل الأوصاف التي فيه لغيره , و لا أطلقوا هذه الشهادة لسواه .

الثالث : ما نبه عليه بعض الشيوخ أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض و غربها إلى عالم , و لا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك ."

و ذلك لأن مالكا لزم المدينة , و لم يرحل في طلب العلم , و لم ينتقل منها طيلة حياته إلا حاجا , إذ وجد العلم كله في المدينة و أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم متوافرة فيها , فلهذا لم يحتج إلى الرحلة عنها.

و كان يرى أن العلم هو علم المدينة , و أن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و بها أصحابه الذين علمهم , و أن الناس صاروا تبعا لهم فيه , فلهذا لم يهتم مالك بالرحلة العلمية مادام العلم هو علم المدينة .

 

 
شهادة العلماء الكبار في حقه :

 

و في حقه يقول الإمام الشافعي : "إذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب , و ما أحد أمن علي في علم الله من مالك بن أنس "

و قال أيضا : مالك و سفيان بن عيينة القرينان لولاهما لذهب علم الحجاز" و أثر عنه أنه قال : لم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه و إتقانه و صيانته , و جعلت مالكا حجة بيني و بين الله".

 

أما الإمام أحمد بن حنبل فقال :" رحمة الله على مالك , القلب يسكن إلى حديثه و إلى فتواه ، مالك عندنا حجة ’ لأنه شديد الإتباع للآثار التي تصح عنده.

و قال في مكان آخر :" مالك هو إمام في الحديث و الفقه"

و قال أيضا اكتب حديث مالك و انظر فقهه , و أمعن النظر فيه , فإنه مقدم على الأوزاعي و الثوري و الليث و حماد و الحكم "

و سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه قائلا : من أثبت أصحاب الزهري ؟فأجابه : مالك أثبت في كل شيء .     

و قال أبو يوسف :صاحب أبو حنيفة :و كان معاصرا لمالك :ما رأيت أعلم من ثلاثة : مالك و ابن أبي ليلى و أبي حنيفة ,

و يقول الإمام الأوزاعي :"-مالك- عالم العلماء و مفتي الحرمين"سير أعلام النبلاء 8/54

فالإمام مالك من أروع الشخصيات الإسلامية التي لها وزنها و قيمتها في الثقافة الحديثية و الفقهية و الفكرية , حتى حج الناس إليه من أقاصي البلاد و دانيها متحملين عناء السفر ليستمعوا إلى أحاديثه و فقهه و ليقتبسوا من أنواره

و لقد شدت الرحال إلى الإمام مالك من كل جهة من العراق و مصر و القيروان و الأندلس و غيرها و قد تمكن مجموعة من تلامذته من مجموع هذه الأقطار من نشر مذهبه ببلدانهم بنشر موطئه من خلال روايتهم له و قد حصر الدارسون لتاريخ المذهب هذه المدارس الفقهية المالكية في :

المدرسة المدنية و هي المدرسة الأم , ثم المدرسة المصرية و المدرسة العراقية و المدرسة القيروانية  و المدرسة المالكية الفاسية  المغربية ,و المدرسة الصقلية و المدرس الأندلسية و هاتان الأخيرتان ستلعبان دورا أساسيا في التأثير في أنظمة الآخر .مما سنتحدث عنه بعد-بحول الله- في محله.