الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي في أوروبا والتأثير في التشريعات الغربية / الجزء (1)

 
Share |


 بسم الله الرحمن الرحيم

 

 


 
أ/الدكتور حميد لحمر
 
رئيس فريق البحث في التراث الفقهي المالكي بالغرب الإسلامي

 

 

 

 

 

  

الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي في أوروبا والتأثير في التشريعات الغربية


 
لما عرضت علي الفكرة و منذ البداية فكرت بأن تكون مشاركتي حول المذهب المالكي بالجناح الغربي من أوروبا و أعني بذلك بلاد الأندلس (الفردوس المفقود ) كما يسميها المؤرخون لماذا لأن الأندلس بلد في غاية الأهمية فهو جنوب أوروبا أنجب علماء موسوعيين جمعوا بين مختلف العلوم وبلد امتزجت فيه العرقيات و الأجناس و توحدت حول الإسلام ووحدها منهج استنباط الأحكام الفقهية المصطلح عليه بالمذهب المالكي    


 

و بحلول 2011 يكون قد مر عن تاريخ علاقتها بالإسلام والحضارة الإسلامية والمذهب المالكي ثلاثة عشر قرنا من الزمان فاخترت تكريما لعلمائها العظام وفقهائها الكبار أن أتحدث عنها سيما و أن أهلها في هذا الزمان يدخلون في الدين أفواجا كما خرجوا منه كرها أفواجا في الماضي.

 

وفي هذه المداخلة التي أساهم بها في هذا المؤتمر المبارك أو الدورة التكوينية للسادة المشايخ الأئمة المغاربة,الذي خصص لمدارسة المذهب المالكي و انبعاثه في أوروبا , اخترت أن تكون كلمتي حول ما قبل الانبعاث و في موضوع:"الجذور التاريخية لوجود المذهب المالكي بأوروبا و ظاهرة التأثير في التشريعات الغربية"


 

و قد خصصت له ثلاثة أبواب  بكل باب مجموعة من المباحث

الباب الأول : تحدث عن مراحل دخول الإسلام إلى أوروبا

الباب الثاني : الإمام مالك و بعض خصائص مذهبه, وثناء العلماء عليه, و مدارسه الفقهية.

الباب الثالث: دخول المذهب المالكي الأندلس، وصقلية، وتأثيره في التشريعات الغربية.


و في تقديري أن هذه الأبواب الثلاث بمباحثها مجتمعة  كافية لإعطاء أو رسم صورة متكاملة عن تاريخ المذهب في أوروبا واستفادة الأخر منه .


وسوف أحاول –إن شاء الله- أن أشير في البداية إلى مراحل دخول الإسلام والمسلمين إلى أوروبا الغربية  أولا للارتباط الوثيق بين الموضوعين الإسلام والمذهب, ثم أقف بعد ذلك عند الهجرة الإسلامية الحديثة إلى أوروبا ودواعيها وكيف تطورت في العصر الحالي.


الباب الأول : مراحل دخول الإســــلام أوروبــــا

المبحث الأول :صلة أوروبا بالإسلام و المسلمين.


إن صلة أوربا بالإسلام والمسلمين صلة قديمة تاريخيا , فقد انتشر الإسلام في أوربا عن طريق المسلمين عبر عدة معابر : منها المعابر الجنوبية ، و هي أقدم مسالك المسلمين و الإسلام إلى أوربا , و منها المعابر الشرقية


و أما حديثا فقد انتقل إليها ,-أعني أوربا الغربية- و إلى مناطق منها لم يكن قد وصلها من قبل , عن طريق الهجرة العمالية التي قادت الملايين من المسلمين تدريجيا من مختلف البلدان الإسلامية بإفريقيا و آسيا و الشرق إلى الاستقرار بأوربا .و يمكن أن نقسم هذا الدخول حسب المراحل التالية :


1-بالنسبة لأوربا الغربية :

في المرحلة الأولى :عمل المسلمون على فتح الأندلس ,و قد كان ذلك في السنة الثانية و التسعين للهجرة( سنة 92 للهجرة) الموافق ل 711 م ولم تمض ثلاث سنوات حتى خضعت لهم شبه جزيرة إيبريا بالكامل ،فأسسوا بها دولة إسلامية تابعة لدار الخلافة في دمشق بالشام. ثم جاء الأمويون إلى الأندلس بعد أن غلبوا على أمرهم في الشرق ، و أنشئوا دولة أموية قوية بالأندلس.


و قد عرفت الأندلس بعد الأمويين تقلبات سياسية خطيرة ، أثرت على الحركة الفكرية و التوجه المذهبي الفقهي المالكي ،حيث حكمها ملوك الطوائف  قبل أن تصبح تابعة للمغرب أيام دولة المرابطين والموحدين،و المرينيين وبعد ذلك أخذت أطرافها تتقلص شيئا فشيئا إلى أن حل بها الضعف الذي أدى إلى انهيارها و قد كان لسقوط غرناطة عاصمة ملوك بني الأحمر سنة 895/1492م انتهاء الحكم الإسلامي بالأندلس .


و قد كانت الأندلس قبل هذا قد عاشت حياة فكرية سامية ، ونافست عاصمتها قرطبة أيام عبد الرحمن الداخل و الحكم المستنصر حاضرة بغداد أيام هارون الرشيد ، فقد نشطت الدراسات العقلية في الأندلس بنشاط الدراسات اللغوية و الأدبية و الشرعية ، و أخذ الإنتاج الأندلسي طابعا خاصا خصوصا في الرياضيات و الفلسفة و الطب و الفلك ، و أنجبت علماء كبار في جميع التخصصات ، منهم الطبيب الرياضي و الفقيه الفيلسوف ابن رشد الحفيد.


كما خلف المسلمون في بلاد الأندلس خلال القرون الثمانية التي عاشوها هناك عمرانا متميزا / تجلى فنه في المساجد و الصوامع و القصور و الحصون و القلاع و الساحات و غيرها مما لا زال قائما إلى اليوم ، و يعتبر محط إعجاب الزوار المتوافدين عليه من أنحاء العالم .


 

المرحلة الثانية : فقد دخل المسلمون من الأندلس إلى فرنسا برا ، و اخترقوا جبال البرانس ، و قد كان ذلك (في السنة الرابعة و التسعين)سنة 94/، و انطلقوا في فرنسا ، و قد كانوا يسمونها وقتئذ "الأرض الكبيرة" لانبساطها بين جبال البرانس جنوبا ، و جبال الألب شرقا ، و المحيط غربا.


فقد دخلوا في البداية مدينة ناربون في سهل لا نكدوك قريبا من البحر ,فاتخذوا منها مركزا لمتابعة فتوحاتهم طوال عشرين سنة دان لهم خلالها جنوب فرنسا من غربه إلى شرقه و توغلوا شمالا نحو باريز حيث لم يعد يفصلهم عنها سوى نحو ثلاثمائة كيلوميتر .كما يذكر المؤرخون.


و يرجع هدف المسلمين منذ دخولهم أرض فرنسا أن يرجعوا إلى دمشق برا بعد فتح إيطاليا  و القسطنطنية ، و كانت مدينة بوردة آخر مدينة دخلها المسلمين عنوة بعد مقاومة طويلة ، و لم يكن أمام الأمراء الغربيين إلا أن اتحدوا تحت قيادة شارل مارتن و اعترضوا الجيش الإسلامي في طريق رجوعه بضواحي مدينة بواتيي حيث جرت المعركة الشهيرة ببلاط الشهداء سنة 114هـ/732م.


 

و في المرحلة الثالثة : جاء المسلمون فرنسا من الأندلس بحرا ، و نزلوا بجنوبها الشرقي في منطقة بروفانس و جبال الألب و الساحل الأزرق.

و تضفي بعض الروايات الأوروبية على هذا الهجوم صبغة المغامرة ، زاعمة أن الأمر لا يعدو عشرين نفرا خرجوا في مركب خفيف من الأندلس و ألقتهم الرياح في خليج سانتر ويبز بين فرنسا و إيطاليا ، فمكثوا بين الأدغال إلى أن لحق بهم إخوانهم من إسبانيا و إفريقيا ، و كيفما كان الحال فإن الروايات تتفق على أن المسلمين استقروا هناك ، و لم تمض سنوات قليلة حتى امتلأت المنطقة بالحصون ، و شيدوا قلعتهم المنيعة المسماة فراكسينت  fraxenet على قمة جبل ما تزال به حتى الآن أطلال و بقايا عمران.


و قد تقدم المسلمون في جبال الألب حتى وصلول إلى أعلاها  و اجتازوا مضايق دوفيني dauphine فوصلوا حدود إيطاليا و ملكوا جميع مضايق جبال الألب و صار المرور بين فرنسا و إيطاليا متوقفا على إذنهم، و توسعوا في البلاد الإيطالية إلى حدود جنوة ganova ، ثم تقدموا إلى سويسرا فملكوا منطقة فاليه و مقاطعة كريزون grisins.


و قد بقي المسلمون سادة هذه المنطقة نحو تسعين سنة تحت رعاية خلفاء قرطبة الأمويين ، و مساعدة الأغالبة و الفاطميين بتونس، وأصبحوا لا يرتفع في وجههم رأس ولا ترتقي إلى مصارعتهم همة ، كما قال شكيب أرسلان .


و قد غادر المسلمون هذه المناطق سنة 365ه/975م بعد أن تألب عليهم المسيحيون من كل جانب بقيادة امبراطور ألمانيا أوطون   othon     تاركين آثارا عمرانية ما زالت قائمة لحد الساعة .

أما المرحلة الرابعة :  فقد فتح المسلمون فيها جزيرة صقلية، و قد كان ذلك سنة 212ه /827م و هي تعتبر من أكبر جزر الحوض الغربي بالبحر الأبيض المتوسط جنوب إيطاليا، و قد نشروا فيها لغتهم العربية و نشطوا الحركة العلمية و اتخذوا بها مدينة بلرمو balermo  عاصمة لهم.


و جلبوا إليها صناعات راقية كالورق والحرير والسفن و الفسيفساء ،و أضفوا عليها طابعا معماريا إسلاميا بمنشآتهم الدينية والثقافية والمدنية، ولم يعمروا بها طويلا حتى سقطت في يد النورمنديين حكام جنوب إيطاليا. و قد استمر المسلمون في صقلية قرونا أخرى لما لاقوه من حسن معاملة النورمانديين لهم .


فقد أقروهم على ديانتهم و شريعتهم ، و استعانوا بهم في دواليب الدولة و شجعوا الدراسات العربية والإسلامية، وكان بينهم تجاوب وتعاون في نقل علوم المسلمين الرياضية و الفلسفية والفلكية والطبية والفقهية المالكية إلى الفرنسية و اللاتينية .


و قيل عن روجار الثاني النورماندي أنه:" كان سلطانا عربيا يحمل تاجا كملوك الإفرنج، و إن تسامحه الديني أدى إلى امتزاج الثقافات العربية و اليونانية و اللاتينية ، و من المعلوم أن الشريف الإدريسي وضع لروجار هذا خريطة العالم على دائرة فضية مسطحة كبيرة، و ألف له بالعربية كتاب : نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " شرح فيه الخريطة، و قد ترجمت الخريطة والكتاب إلى مختلف اللغات الأوروبية (انظر دراسات في تاريخ صقلية الإسلامية للدكتور أمين توفيق الطيبي ص 180-197)



يتبع...