"الإمامة في فرنسا: تغير السلطة الدينية الإسلامية في سياق أقلياتي"

الأصدار : الطبعة الأولى
دار النشر : تقديم أوليفيا روا، باريس، منشورات سيرف، 2013 ، 258 ص.

الكاتب : رومان سيز

قراءة في كتاب رومان سيز:

"الإمامة في فرنسا: تغير السلطة الدينية الإسلامية في سياق أقلياتي"

 تقديم أوليفيا روا، باريس، منشورات سيرف، 2013 ، 258 ص.

 

بقلم د. محمد حصحاص – جامعة لويس – روما

 

 

العنوان الأصلي للكتاب:

Romain Sèze, Être imam en France: Transformation du « clergé » musulman en contexte minoritaire, préface Olivier Roy, Paris : CERF, 2013, 258 p.

 

صدر للأكاديمي الفرنسي رومان سيز الذي يدرس بجامعة ريم الفرنسية بحث بعنوان ''الإمامة في فرنسا'' استغرق منه ست سنوات – ابتدأه سنة 2006 وأنهاه سنة 2012 . البحث عمل ميداني متميز يلخص إحدى وستين لقاء مع ثلاثين إماما دائما أو شبه دائم، إمامين في شهر رمضان المبارك وقيمين على المسجد (اثنين)  و ثلاثة عمداء أو مدراء للمساجد. عشرة من الأئمة مغاربة، وعشرة جزائريون، أربعة أتراك، اثنين من افريقيا الغربية، و أربعة  آخرون من كندا، وجز موريس، والعراق وكردستان. يتراوح عمرهم بين 29 و 68 سنة. ثمانية منهم بدون تكوين تعليمي، وسبعة بلغوا مستوى الثانوي، وتسعة بلغوا مستوى التعليم العالي في الدراسات الإسلامية من البلاد العربية-الإسلامية، و أربعة منهم حصلوا على دبلوم وطني، وواحد فقط حاصل على شهادة لتكوين الأطر والأئمة في فرنسا، وواحد آخر حاصل على تكوين ديني من طرف عائلته. أي أن أغلبية الأئمة إما بدون مستوى تعليمي عال وإما أن شواهدهم التعليمية من بلاد خارج فرنسا (ص. 28).

شملت الدراسة زيارة ثلاثين مكانا للعبادة –بعضها مساجد كبرى وبعضها محلات لممارسة الشعائر الدينية على شكل جمعيات-  في مدن فرنسية ذات كثافة ديمغرافية مختلفة  هي كالتالي:  L’Aisne, L’Ardèche, la Drome, le Gard, l’Héraut, la Marne, la Meuse, Paris, la Seine-Saint-Denis, le Vaucluse.  . كما أن العمل الميداني يتميز بكونه انثروبولوجيا لأن الباحث لم يلتق الأئمة وحسب، بل حضر بعض الشعائر الدينية كصلوات التراويح وخطب الجمعة وشعائر واحتفاليات اعتناق الإسلام.

بداية، يصرح الكاتب بأن دراسة الإسلام والمسلمين في الغرب أثرت فيها، وبصورة كبيرة، التوجهات السياسية التي تغذيها العلوم السياسية والعلاقات الدولية التي تطغى عليها المقاربات الأمنية للدين، وقد لعب الإعلام  دورا كبيرا في تنشيط نفس نمط الدراسة، كما أن البحث السوسيولوجي ليس غائبا عن المساهمة في هذا النوع من التوجهات في البحث، فمعظمها كان يرى دراسة الإسلام والمسلمين من منظور الهجرة ونظرياتها، وفيما بعد من منظور السوسيولوجيا الدينية (ص. 23) ، أي تلك التي تركز على مظاهر الفردانية والعلمنة عند المتدينين من الأقليات .

 أما ما يميز هذا العمل بالذات فهو نزوعه إلى دراسة دور الأئمة اليومي في إعادة تفسير القيم الدينية حسب السياق الذي يتواجدون فيه: فرنسا ذات المرجعية العلمانية الحداثية والنظام السياسي الجمهوري. بمعنى آخر، يفتح هذا البحث السوسيولوجي بابا آخر في فهم ودراسة الإسلام في الغرب، وهذا الباب مدخله الأئمة كسلطة دينية جديدة تعيد تشكيل ذاتها كما تعيد تشكيل ذوات المسلمين وتدينهم في المجتمع الغربي (ص. 32-33).       وليس هذا البحث أول ما كتب في الموضوع ولكن مدة إنجازه – ست سنوات- وكونه بحثا ميدانيا غطى عددا من المدن الفرنسية وعددا مهما من الأئمة سيجعل منه مرجعا لدراسة موضوع الإمامة والأئمة ليس في فرنسا وحسب بل في الغرب عموما.

يدافع الكاتب عن أطروحته انطلاقا من تقسيمه للكتاب إلى أربعة فصول معنونة كالتالي:

-         بنية الإمامة في فرنسا (Structuration de l’imamat en France)،

-         الشعائرية [من الشعائر] في عمل الإمام (Ritualization de la fonction d’imam)،

-          الإمام- الإسلامولوجي (un imam-islamologue) ،

-          وإعادة تشكيل الارثودكسية (Réinventer l’orthodoxie).

يقدم الفصل الأول تطور مهنة الإمامة في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية واستقدام العمال من البلدان العربية-الإسلامية.

 خلال الفترة الممتدة بين  1960 و 1970 لم تكن لا الدولة ولا العمال المسلمون يفكرون في التأسيس لحضور المسلمين في المجتمع، لذلك نشأ ما يسميه الباحث ب ''الإمام-العامل'' ذي التكوين الدراسي الضعيف˛ أو المنعدم ، في الدراسات الإسلامية أو في مهنة الإمامة.

إن مهمة الإمام-العامل نشأت لإمامة الصلاة بتكليف من الجماعة داخل المعامل التي يشتغلون بها أو داخل مساجد صغيرة أنشئت لهذا الغرض.  ثمانية من الثلاثين إماما الذين شملهم البحث  ينتمون إلى هذا الصنف من الأئمة (ص. 39). أما الأئمة ذوو التكوين في الدراسات الإسلامية في العالم الإسلامي فعددهم يبلغ ثمانية عشر من بين الثلاثين، وهم أكثر حضورا في المساجد والمدن الكبرى حاليا، نظرا لتكوينهم وكاريزمية شخصيتهم التي اكتسبوها مع مرور الوقت. وأغلب الأئمة لم يسافروا الى أوروبا للإمامة بل للبحث عن عمل أفضل، ثم انتهت بهم اختياراتهم، في أحايين قليلة وفي ظل ظروفهم المادية والقانونية في الغالب، إلى امتهانها (ص. 75).

 بعد ارتفاع موجة الإسلام السياسي، ارتأت الدولة أن تتعامل خاصة مع تركيا والجزائر لإرسال بعثات لتدريس اللغة العربية للجالية الإسلامية وسرعان ما تحولت هذه الشراكة في الثمانينات من القرن الماضي إلى بعثات  تخص الأئمة (ص. 71-72).

أما المغرب –حسب الكاتب- فهو لا يتوفر على طاقم خاص مكلف بتكوين او إرسال الأئمة بل يعتمد في ربط العلاقات بين المساجد والبلد الأصل عن طريق جمعيات العمال المغاربة بفرنسا (ص. 74) [أفترض أن الباحث كتب هذا الفصل قبل تشكيل المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة الذي يسعى-  من بين ما يسعى اليه-  الى تأطير الأئمة].

ويضيف الباحث أن عمل الدولة والمؤسسات الخاصة لإنجاح برامج لتكوين أئمة داخل المؤسسات والجامعات الفرنسية –كجامعة ستراسبورغ ومارساي- لم ينجح إلى حد الآن، ودليل ذلك أن إماما واحدا فقط من بين الثلاثين حاصل على شهادة تكوين بفرنسا. بالإضافة إلى العوامل السياسية والإدارية التي تحد من توزيع برامج تكوين الأئمة داخل فرنسا، هناك العامل المادي الذي لا يشجع الشباب خصوصا لامتهان هذا العمل. فبالرغم من متابعة عدد مهم منهم للدراسات الإسلامية في مختلف التكوينات التي فتحت في العقدين الأخيرين في فرنسا إلا أن ذلك يبقى اختيارا  لمزيد من المعرفة الإسلامية وليس من أجل امتهان الإمامة لأنها غير مشجعة ماديا. لا يتمتع عدد من الأئمة الآن بعقد عمل وبالتغطية الصحية مثلا، مما يجعلها تفقد صفة المهنة المحترمة اجتماعيا (ص. 83). مجموع هذه المشاكل يفسر الخصاص في عدد الأئمة في البلاد، وجود الأئمة في الثكنات العسكرية والسجون والمستشفيات والمدارس لا يغطي كل التراب الوطني (ص. 122).

 أما أنشطة النساء أو ما يسمى بالمرشدات الدينيات، فالباحث لا يغطي عملهن لأنه لم يستطع ولوج أنشطتهن، لكنه يقول أنهن "حرات" في أنشطتهن النسائية التي تنظم تحت مراقبة المسؤولين (الذكور) وتوجيهاتهم العامة (ص. 114).

و في الفصل الثاني، يروي الكاتب كيف أن دور الأئمة وسط الأقلية الإسلامية أصبح يشبه عمل الرهبان والأحبار إلى حد ما (ص. 91). ففي مجتمع غالبيته غير مسلمة أصبح الإمام أهم سلطة دينية ورمزا للثقافة الإسلامية. فمن مظاهر الشعائرية التى تتركز حول شخصه كون عدد من المسلمين أصبحوا يحتفلون بالزواج والعقيقة –أي ختان المولود الذكر في اليوم السابع- في المساجد، على غرار الشعائر المسيحية التي تحتفل بالزواج والتعميد في الكنيسة. كما أن المتدينين يستشيرون الإمام في أمورهم الدينية والشخصية، ويستفتونه في ذلك، فأصبح الإمام مفتيا محليا. أما صورة الإسلام والمسلمين في المجتمع فإن الجمعيات ورؤساءها وعمداء المساجد –وليس الإمام في الأغلب الأعم- هم من يتكلف بها، فهم من يتكفل بتنظيم الأنشطة الاجتماعية والثقافية و بتدبير التواصل مع الرأي العام والسلطات المحلية والوطنية إجمالا. ففي المحاضرات وملتقيات حوار الأديان، مثلا، نجد رؤساء الجمعيات وعمداء المساجد هم من يتكلم باسم المسلمين وليس الإمام. إن أغلب الائمة تتحدد وظائفهم في ما هو شعائري غالبا نظرا لمستواهم الثقافي البسيط، ولعدم اتقانهم للغة الفرنسية أحيانا˛ ولأجرهم المحدود أو المنعدم أحيانا أخرى. فالشباب رغم تدينهم وتعليمهم العصري والعالي لا يودون العمل كأئمة لان نظرتهم الى الإمامة كوظيفة لا تناسب تطلعاتهم العالية ماديا  (ص. 113) .

نتج عن هذا التقسيم في الوظائف بين الإمام والعميد أو رئيس الجمعية المكلفة بالمسجد أن الأول تتحدد مهامه داخل المسجد أو صالة الصلاة أما الثاني فمهامه أساسا داخل قاعة المؤتمرات والمنتديات (ص. 104-109). وهذا، حسب الكاتب، تقسيم وظائفي جديد فرضه وضع المسلمين كأقلية في وسط علماني ذي ماض ثقافي مسيحي.

أما الفصل الثالث ففكرته الأساسية هي أن مهنة الإمام وطريقة الإمامة أصبحث تميل أكثر الى العقلانية والتثاقف. فالإمام المعاصر أصبح يميل أكثر الى الترغيب منه إلى الترهيب أثناء خطبه ودروسه في المسجد˛ رغم إن كلا المنهجين حاضران بشكل متقارب جدا، حسب الباحث، وخاصة عند الأئمة التقليديين وذوي المستوى الدراسي المتواضع (ص. 140) – الأئمة الذين يسميهم لاحقا بالأئمة العمال.  كما أن بعض الأئمة –ثلاثة من بين ثلاثين إماما مستجوبا- يمارسمون الإفتاء عند استفتائهم (ص. 141). تظهر عقلانية الإمام عند الاستفتاء: فهو لا يتبع مذهبا واحدا معينا كما هو الحال في أغلب البلاد العربية-الإسلامية مثلا، بل إنه يمارس التلفيق، وهو أمر غير جديد في ثقافة المفتين الإسلامية. الهدف من التلفيق هو إعطاء الجواب الأكثر مناسبة للحالة المستفتى بشأنها، من أجل تسهيل التدين والتشبث بالقيم الإسلامية عموما˛ كما سيتم الإشارة إليه مجددا. إن عقلنة محتوى الخطب وطرق الخطاب و الاستفتاء لا تتمركز حول ما هو قانوني في التشريع الإسلامي بل على ما هو قيمي، مما يعني أن الإمام-المفتي يحاول اعادة تشكيل الارتباط مع الدين عن طريق التعامل مع ظواهر التدين المختلفة  في مجتمع متعدد المرجعيات (ص. 146-147). إن الإمام يمارس عملية التثاقف حسب الكاتب. من الأمثلة الأخرى على عقلنة الشعائر الدينية هو التركيز في مناسبات اعتناق الإسلام التي تنظم بالمساجد على أن المعتنق دخل الدين بعد بحث وتأمل عقلي قاده في الأخير الى هذا الدين˛ ويسبق الاعتناق دروس تكوينية للمعتنق ويتبعها شهادة الاعتناق – وهو طقس جديد (ص. 153). والمثال الآخر الذي يرمي إلى عقلنة التدين وشعائره وقيمه هو التركيز على تدريس القيم الإسلامية في المساجد والجمعيات في أخر الأسبوع، واهم هذه القيم هي الاحترام، والتسامح والاتزان في العمل (ص. 148). إجمالا˛ وحسب فحص خطب الأئمة الذين شملتهم الدراسة وتمت مقابلتهم˛ يرى الباحث أن حدود الشريعة وقوانينها أصبحت خطابا أخلاقيا يتحمله الفرد في المجتمع العلماني الليبرالي. لقد  أصبحت الشريعة خطابا حول المسؤولية الاخلاقية التي مركزها الفرد من أجل علاقة طمأنينة وسلام مع الله (ص. 169 ،171) ومن أجل الالتزام في الدفاع عن العدالة الاجتماعية في  العلاقة مع المجتمع (ص. 170).

ويختص الفصل الرابع والأخير بإعطاء أمثلة أخرى حول مسألة التلفيق التي يمارسها الأئمة-الفقهاء من أجل تسهيل الدين في مجتمع حرية الفرد فيه أكبر من أن يتقيد فيها بما لا يستطيع (ص. 192-193).

يتم تدريجيا ''أنسنة حدود الشريعة'' (ص. 212) وتحريرها من السلطة التقليدية غير الموجودة في مجتمع تحكمه قيم يتواضع عليها الناس. هنا أيضا يؤكد الباحث كيف أن المسؤولية الأخلاقية أصبحت تتمركز حول الفرد وفردانيته وحريته. وهذا لا يعني أن كل الأئمة وخطبهم حول هذا الأمر واضحة: فبعض الأئمة غير واضحين تماما في رأيهم عن وضعية المرأة ومساواتها قانونيا مع الرجل مثلا (ص. 202)˛ أو زواج المسلمة من غير المسلم (ص. 199). ونفس الغموض يكتنف بعض الأئمة فيما يخص احترامهم لحرية الأفراد الشواذ جنسيا (ص. 163) وتهجمهم عليهم في خطبهم او الإمساك عن ذلك لأنه يدخل في ما يسمح به القانون الفرنسي.. فالأئمة في الغالب وإن نهوا عن هذه الأفعال غير المقبولة دينيا فإنهم يركزون على المسؤولية الأخلاقية للفرد أمام الله. إجمالا، يرى الباحث أن الخطاب الأخلاقي والتلفيقي، الذي يراعي السياق العام في الحسبان، هو الذي يطغى على دور الأئمة الجديد، الدور الذي ينافس دور العلماء والمفتين (ص. 180).  ينتهي الكتاب بالدعوة إلى الانتباه ودراسة الدور الجديد والمتزايد الذي يلعبه الأئمة في إعادة تشكيل فهم وممارسة الإسلام في مجتمع علماني كفرنسا  (ص. 226-227).

 وهذه الخلاصة يزكيها كذلك الأكاديمي المعروف أوليفيي روا (Olivier Roy) في تقديمه للكتاب. فهو يرى أن دور الأئمة في إعادة تشكيل الإسلام وممارسته أصبح واقعا معيشا فرضه سياق وجود الأقلية تحت النموذج الجمهوري العلماني. لأن العلمانية الفرنسية كاثوليكية في ثقافتها وتعاملها مع الدين، يرى اوليفيي روا أن الإسلام أصبح يتبنى تدريجيا نفس الترتيب المؤسساتي، فنتج عنه دمقرطة داخلية، وفردانية، وعقلانية داخل الحقل الإسلامي: فالامام يظهر خطابا أكثر عقلانية وعصرنة ليواكب العصر ويجيب عن تساؤلات وتوقعات الأجيال الجديدة من المسلمين، كما أن الإمام لم تعد له سلطة الردع أو التوجيه الجبري، والجمعيات الإسلامية أصبحت أكثر حضورا وذات صلاحيات أكبر في الحفاظ على الطابع الثقافي الإسلامي المنفتح والحاضر في المجتمع، لدرجة أنها أصبحت أكثر تأثيرا من الإمام نفسه (ص. 9-15).