الأساس في فقه التعامل مع الناس نظرات وشذرات

الأصدار : الطبعة الأولى 2016
دار النشر : منشورات المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة 1437 ه / 2016 م
تحميل :

الكاتب : الأستاذ أحمد الهبطي عضو المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة

مقدمة

مِن المعلوم – بداهة - أن "الإنسان اجتماعي بطبعه"، كما عبر ابن خلدون رحمه الله، وكان ابن القيم رحمه الله – قبله - يردد في غير ما موضع من كتبه "الإنساني مدني بالطبع"[1].

وقـد فـسر شـهاب الـدين الألوسـي رحمه الله فـي روح المعـاني قوله تعالى: ]وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[[2]  ، بـأن المـراد مـن جعـل النـاس شعوبا وقبائل هو التعارف قائلا:" لتعارفوا" علَّةٌ للجَعْل أي: جعلناكم كذلك ليعـرف بعـضكم بعضا، فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب .. لا لتفاخروا بالآباء والقبائل"[3].

ومن معاني الناس: الأنس( الوناسة). وسمي الإنسان إنسانا لأنه يأنس بغيره، كما قال بعض اللغويين.

يدل على ذلك أن الواحد منا إذا قَصِيَ (ابتعد) عن أهله وبلده،  يضيق عطَنه،  ويبدو عطَبُه، ويشعر بالكآبة والوحشة! فإذا آنسَ (أبصر) إنسانا من قومه حنَّ إليه، ودنا منه، وركب الصعب و الذلول لطلبه. ولذلك اعتُبر النفي تعذيبا، والحبس تأديبا (وفيه تنكسر النفس وتلين)[4].

  وانظر كيف آنس الله تعالى وحشة آدم (عليه السلام) وهو في الجنة؛ فخلق له من نفسه امرأةً (حواء) يسكن إليها ويأنس بها.. ولتكون أماً لبنيه. يقول الإمام المنَاوي -رحمه الله- في شرحه لحديث (المـُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنيَانِ)[5]: "وفيه تفضيل الاجتماع على الانفراد، ومدح الاتصال على الانفصال، فإن البنيان إذا تفاصل بطل وإذا اتصل ثبت الانتفاع به بكل ما يراد منه"[6] . و"إنه لا يفزع من الناس إلا من لا يعرفهم"، كما نُسب إلى الفيلسوف الألماني جوتة .



[1]  انظر مثلا: زاد المعاد 3/13، إغاثة اللهفان 2/143.

[2]  الحجرات: 13.

[3]  روح المعاني للألوسي 26/162.

[4]  ويرى بعض الأطباء والدارسين أن الأسباب الأساسية لأمراض القلب هي: الاكتئاب والعزلة الاجتماعية وقلة الدعم الاجتماعي.

[5]  رواه البخاري في صحيحه 2/191، ومسلم في صحيحه 2/1201.

[6]  فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، 6/252.