المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم / للقرطبي

 
Share |

  المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم / للقرطبي

 

عُني المسلمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية خاصة، وَوُلِعُوا به، وأبدعوا في استخراج معانيه، واستنباط مدلولاته، فكان من نتيجة ذلك أن صارت هذه المدونات والشروح من أعظم مفاخر هذه الأمة.

ويُعدّ كتاب «المفهم لما أَشكل من تلخيص كتاب مسلم» للإمام العَلَم الحافظ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي من بين أهم شروح الدواوين الحديثية، ولا غرْوَ في ذلك فمؤلّفه معدود ضمن أعلام المالكية البارزين، وكبار الحفّاظ والمحدثين، وهو مشارك في علوم أخرى من فقه وعربية وغير ذلك، ولد سنة (578هـ)، ورحل مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيراً بمكة، والمدينة، والقدس، ومصر، والإسكندرية، وغيرها من البلاد.

وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث والفضل التام، وكان قد لقي بفاس أبا القاسم عبد الرحمن بن عيسى بن الملجوم الأزدي، وسمع بتِلِمْسَان من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، ومن قاضيها أبي محمد عبد الله بن سليمان بن حَوْط الله، وبسبتة من عبد الحق بن محمد بن عبد الحق الخزرجي، وروى عن أبي الأصبغ بن الدباغ، وغيرهم.

وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب، فكتب عنه الحافظ أبو الحسن بن يحيى القرشي وذكره في معجم شيوخه، وحدث عنه بالإجازة أبو عبد الله بن الأبار، وذكره أبو محمد الدمياطي في معجم شيوخه. وتوفي ـ رحمه الله ـ بالإسكندرية في ذي القعدة من سنة (656هـ).

وقد ارتبط الإمام القرطبي بكتاب مسلم منذ بداياته الأولى في الطلب؛ فكان يرويه عن شيوخه بقرطبة قراءة وسماعا وإجازة، ثم رواه بعد انتقاله إلى ثغر الإسكندرية عن الشيخ المأموني راوي صحيح مسلم في مصر، ولم يكتف ـ رحمه الله ـ بالرواية المجردة لهذا الديوان، بل جرّه شغفه بأن يلخّص كتاب مسلم تقريبا لمن أراد حفظه، وتيسيرا لمن أراد التفقه فيه، فجرّده من أسانيده واكتفى بذكر الصحابي، وأحيانا التابعي الذي روى عنه، ثم حذف المكرّر من الأحاديث وذكرها في موضع واحد حسب موضوعها.

ولم تقف همّة الإمام القرطبي عند هذا الحدّ، بل كان عمله العلمي على صحيح مسلم مشروع عمره على مُدَد متطاولة، فانبرى إلى شرح ما لخّصه من كتاب مسلم بمنهج رصين؛ فيأتي على الألفاظ الغريبة ضبطا وشرحا للمعاني، ويورد تفاصيل حول الكلمة الواردة من خلال عرضه لروايات الحديث المتعددة في كتاب مسلم وغيره من كتب السنّة، مستدلاّ عليها بالآيات القرآنية، ومستشهدا لها بالشعر العربي، والأمثال والحكم، وتراه يستنبط الأحكام الفقهية من الأحاديث معتمدا في ذلك على عرض الخلافات المذهبية، والآراء الاجتهادية، مع إبراز مذهب الإمام مالك بالتفصيل، كلّ ذلك برحابة صدر وسَعَة أفق، مبتعدا عن التعصّب المذهبي، مع إظهار نَفَس اجتهادي عميق في القبول والرّد.

وقد ساعد الإمام القرطبي اشتغاله في أول حياته بالمعقول في إظهار القدرة على طرح الاحتمالات والافتراضات، وفكّ الإشكالات عند التعارض، كما نجده يختم كثيرا من الأحاديث باستنباط توجيهات وإرشادات مفيدة جدا. هذا وقد امتاز أسلوب الإمام القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ بالرشاقة وحسن السبك، مع البعد عن التكلف الظاهر والتصنّع المخل.
ويُعدّ كتاب «المفهم» حلقة وصل بين كتابي المازري والقاضي عياض من جهة، وبين من جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأُبّي والسَّنُوسي، ذلك أنّ المازري شرح صحيح مسلم بكتابه المعلم شرحا مختصرا أكمله عياض بأوسع منه، ثم جاء الإمام القرطبي فاستفاد من سابقَيْه وأدلى بدلوه بعبارة مفهومة سَلِسَة.

وقد اعتمد الإمام القرطبي في كتابه على مصادر هامة بعضها من قبيل المفقود، وبعضها الآخر مما هو مُيسّر موجود، ففي باب اللغة تراه يفصح عن أعلام من أمثال ابن الأنباري، والقتبي، وابن الأعرابي، والبياتي في كتابه الكبير، وغيرهم، إضافة إلى اعتماده في الاستشهاد للمعاني اللغوية على كثير من الدواوين الشعرية، وفي باب الحديث لا يخلو كلامه من شاهد من كتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وكتب الضعفاء، والمصطلح، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى.

وتُعد حافظته ورواياته الشفوية أعظم مادة تُغني الكتاب، فتراه يصول ويجول بين الفوائد العلمية التي اكتسبها من خلال رحلاته في المشرق والمغرب.

ولا تكاد تجد أحدا ممن ترجم للإمام القرطبي إلا ويثني على كتابه «المفهم» أشدّ الثناء، فهذا الإمام ابن فرحون يقول فيه: «وله على كتاب صحيح مسلم شرح أحسن فيه وأجاد سماه المفهم»، وقال الحافظ ابن كثير: «وشرح صحيح مسلم المسمى بالمفهم، وفيه أشياء حسنة مفيدة محررة»، وقال الإمام ابن أيْبَك الصفدي: «شرح مختصر صحيح مسلم وسماه المفهم وأتى فيه بأشياء مفيدة».

ويكفيه شرفا اعتماد الإمام النووي عليه في كثير من المواضع، وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري، وغيرهما ممن اعتنوا بالمتون الحديثية.

واهتم العلماء بكتاب «المفهم» اهتماما كبيرا؛ فنجد الإمام عيسى بن مسعود الزواوي (744هـ) في كتابه «إكمال الإكمال» جمع فيه بين المعلم والإكمال والمفهم والمنهاج، كما نجد الأُبّي (827هـ) في كتابه «إكمال إكمال المعلم» فعل نفس صنيع سلفه الزواوي.

ونشير في الأخير إلى أن كتاب «المفهم لما أَشكل من تلخيص صحيح مسلم» قد طبع قسم منه بتحقيق د.عائض القرني عن دار ابن حزم في مجلدين، وأصل التحقيق رسالة دكتوراه، كما طبع بالمكتبة التوفيقية بالقاهرة طبعة سقيمة عارية عن أي منهج علمي للتحقيق، وأصدر قطعة منه الدكتور عبد الهادي التازي عن وزارة الأوقاف بالمغرب سنة 2004م، وتبقى أحسن طبعاته التامّة هي التي صدرت عن دار ابن كثيربدمشق ودار الكلم الطيب ببيروت سنة 1996م، بتحقيق محيي الدين مستو وأحمد محمد السيد ويوسف علي بديوي ومحمود إبراهيم بزّال.

----------------------------------------------